تتعرض تونس إلى عملية وضع اليد واستهداف للسيادة الوطنية، هذا ما صرح به الناطق الرسمي باسم حزب التيار الشعبي أحد مكونات الجبهة الشعبية المعارضة في تونس في تعليق على «الأليكا»، مضيفا بأن هذا الاتفاق هو خطر على تونس وبمثابة «الاحتلال الناعم»، وهو نفس موقف بقية مكونات الجبهة الشعبية وباقي الأحزاب المعارضة التي شبهت هذه الاتفاقية باتفاقية باردو 1881 الذي انتصبت بموجبها الحماية الفرنسية على تونس إثر تدهور اقتصاد البلاد وعجزها عن تسديد ديونها الخارجية.

الأليكا هي مشروع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق بين تونس والاتحاد الأوروبي، والتي بمقتضاها سيتم تحرير المبادلات التجارية بين الطرفين من كل الأداءات الديوانية في قطاعي الخدمات والفلاحة، وإن لم يبلغ النقاش العام في البلاد درجة متقدمة حول هذا المشروع فإن الحكومة قامت بعدة جولات تفاوض حوله مع الاتحاد الأوروبي، كما شاعت أخبار تفيد بوعود قدمها يوسف الشاهد رئيس الحكومة التونسية للمفاوض الأوروبي بإمضاء الاتفاقية سنة 2019.

سياق الاتفاقية

تندرج هذه الاتفاقية في إطار مسار اتخذته الدولة التونسية منذ الاستقلال، حيث وقعت أول اتفاقية للتبادل التجاري سنة 1969، ثم تلتها اتفاقية أخرى سنة 1995 رفعت بموجبها المعاليم الديوانية عن المبادلات في قطاع الصناعة، إثر الثورة واعتبارًا للعلاقات التاريخية بين الطرفين ونظرًا  لأن الاتحاد الأوروبي هو أول شريك تجاري لتونس حيث أنه يستأثر بأكثر من نصف المبادلات التجارية (63.4%) مقارنة ببقية بلدان العالم، تم إمضاء اتفاقية الشريك المتميز بين تونس والاتحاد الأوروبي، ومن الأهداف الرئيسية لهذا «الامتياز» الذي منحه الأوروبيون  لتونس إنشاء سوق حرة للخدمات والمنتجات الفلاحية لننطلق منذ 2015 جولات للتفاوض حول مشروع اتفاقية التبادل الحر والشامل والمعمق.

رفض وتخوف الأطراف الاجتماعية

أثار هذا الاتفاق مخاوف مختلف الأطراف الاجتماعية في البلاد، حيث عبر الاتحاد العام التونسي للشغل عن رفضه الشديد لهذه الاتفاقية، واعتبرها خطرًا يضرب رأس المال الوطني ويهدد النسيج الاقتصادي التونسي، كما سيكون له تأثيرات سلبية على قطاعي الخدمات والفلاحة شبيهة بالتأثيرات التي حصلت لقطاع النسيج الذي تضرر بفعل اتفاقية 1995.

الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري بدوره حمل المسؤولية للحكومة في حال توقيعها لهذه الاتفاقية قبل تأهيل شامل للقطاع الفلاحي يمكنه من القدرة على منافسة الفلاحة الأوروبية من حيث الإنتاجية والجودة، وهو ما أكده السيد عبد الخالق العجلاني المكلف بالعلاقات الخارجية والتصدير في الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، مضيفا بأن هذه «الاتفاقية تستهدف الأمن الغذائي لتونس في المستقبل وتؤسس لهيمنة أوروبية على اقتصادها».

أما السيد خالد العراك مسؤول قسم الدراسات باتحاد الفلاحين في تونس فقد اعتبر بأن «هذه الاتفاقية تهدد وجود صغار الفلاحين الذين يمثلون أكثر من ثمانين بالمائة من الفلاحين في تونس نظرا لهشاشة وضعهم وعدم قدرتهم على التنافس مع الفلاح الأوروبي الذي يتفوق عليهم  من حيث المساحات الزراعية وتوفر المياه واستعمالهم للتكنولوجيا بالاضافة للتفاوت البين بين ما يحصل عليه الفلاح الأوروبي من دعم الدولة مقارنة بنظيره التونسي».

الاتحاد التونسي للتجارة والصناعة والصناعات التقليدية عبر من جانبه عن تخوفه من الاتفاقية وطالب الحكومة بضرورة اتخاذ إجراءات حمائية لصالح رجال الأعمال التونسيين قبل اتخاذ أي قرار يخص هذه الاتفاقية.

احتجاج الفلاحين ضد الأليكا، المصدر: المصور التونسي اسلام بن عامر

اتفاقية تهدد التنوع البيولوجي

من المخاطر المحتملة لهذه الاتفاقية أيضا تهديدها للتنوع البيولوجي، حيث أثبتت التجربة أن التنافس بين المنتجات الزراعية التونسية والمنتجات الغربية ينتهي بالقضاء على البذور المحلية لعجزها على منافسة البذور الموردة،خاصة من حيث المردودية، وهو ما حصل مع الحبوب التونسية التي أوشكت على الانقراض بفعل التخلي عليها من قبل الفلاح التونسي لفائدة حبوب موردة من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا نظرا لمردوديتها العالية،حيث تراجع معدل استعمال البذور المحلية الأصلية في تونس من 65% عام 1975 إلى 25% عام 2004، وما يقارب 5% فقط حاليا، بحسب تصريح وزير التجارة الحالي عمر الباهي، الخطر نفسه يهدد  مشاتل الزيتون التونسية بعد انتشار المشاتل الاسبانية في السوق بأسعار مناسبة وبميزات إنتاج أفضل وهو ما قد يتوسع ليشمل كل المنتجات أثر البدء في تنفيذ اتفاقية التبادل الحر والشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي.

حقول القمح

ارتباك وعدم وضوح من قبل الحكومة

تميز موقف الحكومة التونسية  من هذه الاتفاقية بالارتباك وعدم الوضوح، حيث تضاربت التصريحات بين أعضائها، فبعد إعلان رئيسها عن استعداد الدولة التونسية امضاء الاتفاقية سنة 2019، صرح كاتب الدولة للتجارة  بأن المفاوضات لا تزال في مرحلتها الأولى وأنه  لاوجود لقرار الامضاء في غضون سنة 2019، كما صرح وزير الفلاحة بأن تونس غير مستعدة للدخول في اتفاقية الأليكا.

يظهر عدم الوضوح أيضا في نكوص الحكومة عن مبدأ التشاركية والشفافية  المعتمد من الحكومات المتعاقبة إثر ثورة الحرية والكرامة، حيث استنكرت المنظمات الوطنية تغييبها وعدم تمكينها من مداولات ونتائج  التفاوض حول هذا الموضوع.

محاولات طمأنة من قبل الاتحاد الأوروبي

يعتبر الاتحاد الأوروبي «الأليكا” تجسيد لاتفاقية الشريك المتميز بين تونس والاتحاد الأوروبي بما يعنيه من استمرار في إدماج تونس في عمقها الأورو-متوسطي وإدماج للاقتصاد التونسي في السوق الداخلية الأوروبية كما أن هذه الاتفاقية ستعود بالفوائد على تونس حيث ستساهم في نفاذ المنتجات والخدمات التونسية بكل سهولة داخل سوق أوروبية تضم أكثر من  500 مليون مستهلك، وفي تحسين ظروف الاستثمار والمناخ العام للأعمال بفضل إرساء أطر قانونية مستقرة، اكثر قابلية للتوقع ومشابهة لقوانين الاتحاد الأوروبي، بالإضافة لملاءمة تدريجية للاقتصاد التونسي مع المعايير الأوروبية والتي من شأنها الرفع من مستوى جودة المنتجات والخدمات التونسية الأمر الذي سيعود بالمنفعة على المستهلك التونسي ويسهل دخول منتوجات تونس وخدماتها إلى أسواق أخرى.

الاتفاقية فرصة

يعتبر بعض المتابعين للنقاش حول هذه الاتفاقية من التونسيين بأنها فرصة وجب عدم التفويت فيها ومناقشتها بجدية لمحاولة الاستفادة منها قبل حصول تغييرات في مستوى تركيبة الاتحاد الأوروبي إثر انتخابات 2019، حيث تشهد أوروبا  صعود اليمين المعارض لتعاون أوروبا مع دول الجنوب.

مساعد رئيس البرلمان التونسي النائب  أسامة الصغير شدد على ضرورة عدم إغلاق باب التفاوض حول هذه الاتفاقية  معتبرا أن القول بأن هذه الاتفاقية تهدد استقلال تونس مبالغ فيه متابعا بأن  على الحكومة أن تتخذ الاجراءات الحمائية الضرورية وأن تكون مصلحة المنتج التونسي والمستهلك التونسي هي العليا في التفاوض.

كما اكد بأن هذه الاتفاقية يمكن أن تساهم في  توفير منتجات ذات جودة عالية للمستهلك التونسي كما أن المنافسة مع الأوروبيين من شأنها أن  تساهم في الرفع من جودة منتجاتنا ومن الوضع الاجتماعي للعملة في القطاع الفلاحي وقطاع الخدمات.

تبقى الاحترازات والمخاوف من انعكاسات هذه اتفاقية مشروعة، بالعودة للوضع الاقتصادي المتأزم للبلاد، وهشاشة قطاعي الخدمات والفلاحة فيها، ويبقى من الضروري تمكين مختلف الأطراف المعنية من أرقام ومعطيات علمية دقيقة  حول انعكاسات هذه الاتفاقية على الاقتصاد التونسي، وأن يكون تقييم الاتفاقيات السابقة منطلقا لذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد