التراث أو الموروث هو كل ما وصلنا من الماضي داخل الحضارة السائدة، والتجديد هو إعادة قراءة التراث بأدوات العصر الحالية، واستخلاص ما يوافق الواقع، إن المطالبة بالنقد والتجديد هو اعتراف بأن للموروث الاسلامي قيمة ودور كبير في واقعنا الحالي، لأن التراث لا قيمة له إلا بنظرياته الحاضرة في الواقع ولا معنى لتراث لا حضور له في واقعنا، أما التجديد هو من أجل تطوير الواقع، والتجديد يجب أن يسبقه القضاء على طرق التفكير التي تجد مرجعياتها الثابتة والمطلقة في النصوص المكتوبة وحدها، لا في العقل والبحث والسؤال، لأنها طرق مغلقة، ولم تعد قادرة على أن تفتح لنا أي أفق للتفكير الذي يسهم في الاكتشاف المعرفي.

قبل أن نخوض في موضوع نقد الموروث وتجديده، يجب أن نحدد تشكيلات هذا الموروث لكي نعرف كيف علينا المساهمة في تجديده، ومن وماذا وكيف ننقد، إن الموروث كاصطلاح عبارة عن تراث مطبوع (مادي)، والموجود في المكتبات والمساجد والجهات المسؤولة عن نشر الأعمال والمؤلفات، وقد يكون جزء من هذا الموروث المكتوب لم ينشر ولم يكتب أو ضاع، وهناك التراث اللامادي والذي لا نجده في المكتبات بل نجده في العقل والأنفس، ولذلك نقد الموروث يجب أن يوازي نقد الإنسان الحامل لأفكار هذا الموروث، ولذلك التجديد لا يعني فقط إعادة طبع المؤلّفات القديمة ونشرها، بل يجب إحياء هذه الدراسات القديمة، ويجب على الناقد التحلّي بميزتين مهمّتين وهي الموضوعية والحس الإبداعي.

فالتاريخ يعلّمنا أن الشخصيات التي أبدعت في مجال الفكر هي شخصيات مبدعة وليست مقلّدة، ولقد أطلقت العنان لعقولها في دراسة التاريخ وأضافت عليه وحذفت منه، كما يجب الالتفات إلى قضية مهمّة وهي أن الموروث الإسلامي عبارة عن فكر ديني وليس عبارة عن دين بذاته، وبين الدين والفكر الديني اختلاف عظيم، فالدين مصدره النص الإلهي المقدّس، والفكر الديني مصدره البشر الذين يجتهدون في إطار هذا النص بغض النظر عن وسائل هذا الاجتهاد والتي عبّر عنها الفقهاء بـ«السنّة والقياس والإجماع …» وغيرها، ولذلك نستخلص أن التراث هو عبارة عن مجموعة من التفاسير البشرية ظهرت في فترة زمنية لنصوص دينيّة على حسب متطلّبات ذلك الجيل وحسب رؤيته للعالم، ولذلك التراث على عكس النصوص الدينية ليس عبارة عن مجموعة من العقائد الثابتة والحقائق الدائمة التي لا تتغيّر.

يعتقد الكثير أن الصراعات المذهبية بين المدارس الإسلامية وحتى الصراعات داخل المذهب الواحد، يمكن اعتبار هذه الصراعات نتيجة رفض بعض الأفكار وهذا ما سيؤدّي إلى ظهور أفكار جديدة وهذا من صور التجديد حسبهم، إذ يقولون إن الفكر الإسلامي هو في حركية دائمة فكثيرا ما يعارض الفقهاء آراء مشايخهم في الكثير من المسائل، وهذا خطأ.

فمعارضة فكرة لا تؤدي بالضرورة إلى تجديدها، فعلى المعارض أن يقوم بالنقد البنّاء وباستخدام منهج علمي صارم ثم يقدّم البديل، لكن لو ندرس تاريخ الفكر الإسلامي، إن معارضة الأفكار دائما تأتي من زاوية سياسية ومذهبية وطائفية فأهل علم الحديث مثلا لمّا أرادوا تنقية الأحاديث والقضاء على حركة الوضع والكذب على الرسول اعتمدوا معيارا غير علمي وهو معرفة صدق الرجال وكذبهم وهل هم أهل ثقة أم لا متناسين أن الصدق ليست قيمة مطلقة بل نسبية ولا يمكن أن يكون الإنسان كاذبا أو صادقا طول حياته فأدى هذا المعيار إلى تضارب الآراء حول صحّة الأحاديث فخرجت نتائج الفقهاء في علم (الجرح والتعديل) و(علم الرجال) نسبية  فمنهم من قال بصدق الراوي وقال الآخر بكذبه.

إن غياب منهج علمي واضح المعالم في الفكر الاسلامي هو ما أدى إلى تحويل الفكر الإسلامي إلى مجرد فكر تكديسي يمتلئ بالروايات والآراء التي تناقض بعضها بعضا، والتاريخ يشهد أن حتى سبب ظهور المدارس الإسلامية الفقهية كان لسبب سياسي أكثر من أي سبب آخر باستثناء مدرسة الأحناف، فهذه الأخيرة أدركت أن احتكاك المسلمين بأصحاب الحضارات الأخرى سينتج عنه قضايا فقهية جديدة، وبالتالي يستلزم التعامل مع هذه القضايا بنفس الأدوات التي يستخدمها أصحاب الحضارات الأخرى، وهنا برز عند الأحناف أداة فقهية جديدة وهي القياس، اعترافا بضرورة انطباق الفكر على الواقع.

ولذلك نستخلص درسا مهمّا، إن تجديد الموروث يجب أن ترافقه أدوات أخرى تساعد النقّاد في بحثهم، فإذا كان مفكّرو عصر التنوير الأوروبي قد استعانوا بالمنهج الفلسفي في فكرهم، علينا أيضا أن نستغلّ ما يتوفّر عندنا في عصرنا من كم هائل من المعلومات وسرعة الوصول إليها، إضافة إلى إقحام أدوات جديدة في البحث، فعلم التاريخ حاليا لم يقتصر فقط على جمع الحادثة التاريخية، بل أصبحت الكثير من العلوم تتدخل في البحث التاريخي مثل علم الكيمياء الذي يمكننا من معرفة صحّة الوثيقة التاريخية ومصداقيتها، وعلم النفس الذي يساعدنا على فهم سيكولوجية الإنسان الذي عاش في الفترة التاريخية التي ندرسها.

يجب أن تتضافر جميع العلوم في عملية نقد الموروث الإسلامي، وهذا سيتطلّب تعليما راقيا جدّا، ويصبح واجبا على رجال الفكر الإسلامي تعلّم أصول البحث العلمي وأن يتعلموا أن يجتهدوا بأنفسهم لا أن يأتوا ليملأوا المكتبات بفكر مكرر، فجلّ المكتبات العربية لا جديد فيها في مجال الفقه إلا ما قال فلان وعلان، وهذه مضيعة للوقت والمال والجهد في سرد كتب الفقه واجترارها، فالتحجر والانغلاق والفهم الشكلي الضيق المتعصب للنصوص، هو ما يعيق التفكير الحر والاجتهاد الذي يسهل الحياة ويفتش عن التوافق بين الحياة والدين، فعلى الفقيه أن يتعلّم قواعد المنطق والعلوم التجريبية لأن هذه العلوم هي التي تجعل الفقيه عقلانيا متنورا لا مروج تخاريف وأساطير.

إن مطلب تجديد الفكر الإسلامي صعب التحقيق حاليا، وهذا يعود لسببين، فالسبب الأول نظرة الفرد المسلم السلبية للنقد والموروث في آن واحد، إذ يرى المسلم النقد جريمة وكفرا في الدين وخيانة للوطن في السياسة، والسبب الثاني عقلية عدم الاعتراف بالرأي الآخر أثرت في العقل المسلم بحيث أصبح المسلم لا يفرّق بين الخلاف والعداء، فيكون كل مخالف في
الفكر والعقيدة بمثابة عدو وشرير يجب استئصاله.

وهذا العامل الخطير هو ما ألغى الحوار والمناقشة بين أتباع مختلف المذاهب الإسلامية المنغلقين على أنفسهم فأثمر تشدد الآراء الفقهية التي قدّست الرجعية وأنتجت العصبيات الدينية والتخلف وفي الأخير كان هذا العامل للأسف سببا في الاقتتال الفظيع بين السنّة والشيعة وانتشار الفتن المذهبية فكان المسلمون معادين لأنفسهم أكثر من معاداتهم لغيرهم، وبسبب هذا الخلط اصبحت الأحاديث النبوية الموضوعة التي تنصر أتباع كل مذهب مبررا لعسكرة الدين والفتك بالمخالف وتوارث المسلمون هذه الأحاديث الملفقة عن طريق شيوخهم الذين يرددونها في كل مرة.

إن خلط المسلم بين الخلاف والعداء أنتج مجتمعا مسلما منغلقا متشبّعا بالاعتقاد الذي يقول إن الآخر يسعى لتدميره في أي لحظة وهذا ما ضيّع على المسلم فرصة الانفتاح على الآخر ومعرفة أفكاره والاستفادة من تجاربه الناجحة، إن الأصل هو معرفة نتائج أفكار الآخر بغض النظر عن ديانته وتوجهه الأيديولوجي، إن هذا الانغلاق ضيّع على المجتمع المسلم فرصة التنوع الفكري لأن أغلبية المسلمين لا يرضون بالاختلاف وهذا ليس خطأهم بل خطأ التربية الدينية التي كفّرت الاختلاف والمولعة بتصنيف الناس إلى أبيض وأسود و كأنه لا مجال للنسبية في الفكر، فاذا انتقدت فكرة الخلافة الإسلامية سيتم اتهامك بأنك شيعي وان انتقدت السلفية التي تجسّم الذات الالهية لتم اتهامك بالجهمية وإن رفضت مبدأ تقديم النقل على العقل في تأويل النصوص القرأنية سيقولون إنك من المعتزلة.

ففي الأخير نزعة التصنيف ألغت كل فرصة تبادل فكري بين المسلمين وغير المسلمين، ولولا هذا الانغلاق لمّا ظهرت الفتن المذهبية بين المسلمين ولم يكن لفقهاء الفتنة الذين يحرّضون على معاداة المخالف في الدين أن يكون لهم صوتا مسموعا ولم يكن للمقارنات على شاكلة «الإسلام والاشتراكية» أو «الإسلام والعلمانية» أن تظهر.

وطبقا لقاعدة نيوتن التي تقول أن لكل فعل رد فعل حصلت مقاومة عنيفة للذين دعوا إلى الأخذ من الغرب في كيفية بناء حضارته وتم إطلاق مصطلحات «التغريب، المد الغربي، موجة الإلحاد» على أفكار الكتّاب العرب التنويرية أمثال «طه حسين» والشيخ «علي عبد الرازق»، وبالتالي أصبحت الدعوة إلى التقدم والحضارة هي مؤامرة وإلحاد، فالتاريخ علّمنا أن التهديد الخارجي وخصوصًا عندما يكتسي شكل التحدي للذات المغلوبة لمقومات وجودها وشخصيتها يجعل هذه الأخيرة تحتمي بالماضي وتنتكس إلى الوراء وتتثبت في مواقع خلفية للدفاع عن نفسها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد