جمال قُتل، هذا الأمر أصبح حقيقة بعدما اعترفت المملكة السعودية بعد سلسلة من الإنكار، بينما ما زال التضليل مُستمرًا.

جريدة الواشنطن بوست وشبكة قنوات الجزيرة قادتا تغطية مُكثفة لقضية الكاتب الصحفي والمعارض السعودي البارز منذ تم إعلان تغيبه داخل قنصلية بلده في إسطنبول، وكذلك أفردت وسائل إعلام عالمية كثيرة وقتًا مهما لمتابعة تلك القضية وهو الأمر الذي سارع في صنع رأي عام عالمي مُتعاطفًا مع الصحفي المغدور به، وكذلك غضبًا عارمًا ضد ابن سلمان – ولي العهد السعودي – ونظام آل سعود.

لكن هؤلاء الساسة والأنظمة الحاكمة ووسائل الإعلام وغيرهم.. هل يبكون جمال حقًّا؟!

دعونا نعود إلى الوراء قليلًا، كانت هناك دائمًا ثمة تعليقات على ملف حقوق الإنسان في الشرق الأوسط من الحكومات الغربية والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الدولية، حتى جاء جورج بوش الابن ودعا صراحة في 2003 إلى إشاعة الديمقراطية في الشرق الأوسط، وقال أنه لا يوجد تعارض بين الديمقراطية النيابية والإسلام، وأن على رأس أولويات إدارته نشر الديمقراطية في الدول العربية.

قد يكون من الكذب أن نؤمن بأن إدارة بوش الابن كانت تكترث بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط حقًّا، بل قد يكون الأقرب للمنطق أنها كانت تستخدم تلك القضية ورقة ضغط لتحقيق أهداف سياسية أخرى،

لكن في العموم لم تكن تلك الدعوة دعوة فردية، بل أصبح نهجًا مُتبعا في تركيز الحكومات المنتخبة في الغرب على ملف الانتخابات وملفات حقوق الإنسان في الدول العربية.

وستجد الاهتمام الواسع بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية بمصر عام 2005 دليلًا على أولوية تلك الحكومات في تحفيز الدول العربية على التقدم بتجاه مزيدٍ من التشارك في الحكم والديمقراطية النيابية، وكذلك الانتقادات الواسعة التي لاحقت انتخابات 2010 والتي اكتسحها الحزب الوطني بشكل شبه كامل، وكان هناك ضغطًا هائلًا يقع على عاتق الحكومات لسن القوانين الحامية للحريات وحقوق الإنسان وهو الأمر الذي جعل مقتل مواطن عادي مثل الشاب خالد سعيد أمرًا يستدعي انتباه الجميع داخل مصر وخارجها، وهو الأمر أيضًا الذي تغيَّر الآن بشكل كامل وبطريقة درامية.

شارك ذلك في إتاحة الفرصة التي صنعتها الشعوب فيما سُمى بـ«الربيع العربي» نحو انفراجة قوية ومفاجئة تجاه الديمقراطية، وكان من الواضح أن الأمر أشبه بكرة ثلج ستمر على الدول العربية جميعًا وبلا استثناءات لتخلق مجتمعات أكثر مقدرة على تحديد مصيرها.

وبعد فترة عصيبة أفرزت الانتخابات الرئاسية في مصر واقعًا جديدًا بتولي جماعة الإخوان الحكم في مصر مدعومين بمجلس نواب حُل قبل برهة، والذي كانوا يسيطرون عليه بشكل نسبي، وكذلك مجلس شورى بنكهة إسلام سياسي واضحة.

هل الإخوان المسلمون جماعة ديمقراطية؟ قطعًا لا، بل إنها وبالرغم من الانتخابات الداخلية التي تجريها لاختيار بعض مجالسها إلا أنها تعتمد على التراتبية بشكل شبه كامل، والسلطوية هي العصا القوية التي تُؤمِّن بها تماسكها، لكنهم وصلوا إلى سدة الحكم أمرًا واقعًا لم يُعجب جميع المنافسين السياسيين، فيما بينهم قيادات الجيش التي حكمت مصر أعوامًا عدة بطريقة غير مباشرة، وحكمت سنة ونصف قبل استلام الرئيس الأسبق مرسي سدة الحكم منهم.

لم يكن الحفاظ على الإخوان أمرًا مهمًا، لكن الحفاظ على تجربة تداول السلطة عن طريق صناديق الانتخابات كان أمرا مهما للغاية، بل كان أهم من أي شيءٍ آخر، وهو في نفس الوقت كان ضمانًا لإصلاح التجربة من الداخل وبنفس الأدوات الديمقراطية المُعتادة، وهو الأمر الذي حدث في تونس ولم يحدث في مصر.

هل كانت الأنظمة الغربية تستطيع التدخل لتهيئة القوى الإقليمية لتقبل التجربة غير المستساغة؟ بلا أدنى شك كان في مقدرتها أن تفعل أكثر مما فعلت لإنجاح الفكرة الناشئة وإنمائها، فلم يكن التدخل الإماراتي والسعودي بالأمر الخفيِّ عن تلك الأنظمة، وهو التدخل المناهض صراحة للديمقراطية في الدول العربية، سواء كان ذلك كراهية للحاكم الجديد أو بشكل أكبر خوفًا من أن تنجح التجربة الديمقراطية في مصر فتهتز عروشهم لاحقًا بمطالبة شعوبهم بتجربة ديمقراطية مثيلة.

كذلك طمع القوى السياسية التي لم يحالفها الحظ وكذلك المؤسسات المُؤثرة – كالقضاء والجيش – كان من الإمكان أن تتدخل تلك الحكومات للتوفيق ومساعدة الجميع ــ الحكومة الإخوانية، الجيش والمعارضة المدنية ــ على إدارة أمورهم بطريقة أكثر تعاونية.

لكن كل ذلك لم يحدث إلا قليلًا وبطريقة غير مؤثرة، لينتهي الأمر بالقفز على التجربة وإنهائها ثم محاولة نزع جزورها وطمسها من المنبع وبشكل كامل، وهو الذي تمثل في تجاوز العالم لمجزرة فض اعتصام ميدان رابعة العدوية، ثم الخطف والقتل والاعتقال الممنهج والمستمر حتى يومنا هذا، مما حوَّل مصر والدول العربية لأرض خوف حقيقية، يخشى فيها المرء أن ينطق بكلمة تكون سببًا في هلاكه.

في مصر عشرات حالات الاختفاء قسرًا والتي لم يهتز لها أحد ولم ترمش لها عين، بعض تلك الحالات انتهت بظهور المختفي وبعضها بالاعتراف بقتله بعد ضغط – كقضية الباحث الإيطالي ريجيني – وبعضها سكت الزمن واختفى المكان وكأن المختفي لم يُوجد قبلا ولم يكن له في هذه الأرض أي عنوان.

ذلك السكوت المريب الذي أطبق على صدر الأنظمة إلا اللهم بعض التلاوم البيروقراطي المنسوخ بلا روح، كان بمثابة تشجيع للأنظمة الديكتاتورية المُتنفسة للصعداء بعد كسرها شوكة ثورة الشعوب نحو الديمقراطية، بما انعكس على تدهور ملفات حقوق الإنسان بشدة وكذلك انسحاق الديمقراطية النيابية والتي جعلت نتائج +90% تعود للظهور من جديد دون أن يهتم أحد بشكل حقيقي.

في السعودية، وقُبيل قتل الصحفي جمال، غرَّد حساب تابع للخارجية الكنديِّة على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» مُنتقدًا حملات اعتقال من الحكومة السعودية لناشطات نسويِّات، فكان رد النظام السعودي عنيفًا وأخذ منحى ما يُشبه العقوبات الاقتصادية والذي قد تُؤثر على الاقتصاد الكندي، ماذا فعل العالم وقتها؟ كيف تصرفت الحكومات الديمقراطية وهي ترى ذلك الرد العنيف دون مواربة تجاه تحسين ملف حقوق الإنسان؟ لم يفعلوا شيئًا تقريبًا، وكان المردود مزيدًا من الاعتقالات هناك والتي طالت نشطاء ومواطنين أعلنوا آراءهم على «تويتر» وشيوخ دين، وبعد مقتل خاشقجي لا يزال الحال كما هو!

سكت العالم تمامًا عن المطالبة بإشاعة الديمقراطية في الدول العربية، وتغاضوا عن الآلاف الذين غيبتهم السجون لأسباب سياسية ثم وكأنهم تفاجأوا بمقتل الكاتب الصحفي جمال خاشقجي بتلك الطريقة المجرمة؟ عن أي شيءٍ تتحدثون؟ ماذا تنتظرون من المُجرمين إلا الإجرام؟ هؤلاء الذين عاثوا قتلا في شعوبهم لكنهم حظوا على أيديكم الناعمة في الزيارات الودية المتبادلة بلا أي حياء أو وجع ضمير!

الديمقراطية كانت الأمر الوحيد الذي قد يحمي جمال وأمثال جمال، والبكاء على جمال الآن ليس إلا كبكاء المشاهدين في السينما تأثرًا بمشهد درامي حزين لكن يا سادة هذه ليست سينما، ونحن هنا نعيش في ذلك الخوف الموجود وراء الشاشات كل يوم.

هذه صرخة، مرتفعة بنفس ارتفاع صرخات جمال حين مقتله، وتحمل نفس لوعته،

فإذا كنتم تبكون جمال حقًّا، ابكونا معه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد