في يوم عبثي بمقهي بمنطقة وسط البلد، بالتحديد شارع عبد الخالق ثروت، كان الزحام والحر في ذاك الصيف من عام 2013 أرحم من النقاش الذي دار في الطاولة التي تجاورني، والتي كان نقاشها يدور عن حقوق الحيوانات، كان في ذلك العام قد حدثت حادثة النهضة ورابعة العدوية وحوادث أخرى تدل على المناخ السياسي في البلاد، وكانت الأزمة السورية في فترة توقد نيرانها والاشتداد، وظهر لنا ما يسمي بالنازحين والشاطئ المزدحم بالموتى، داعش كانت حدثًا، وكان يبدو لي في تلك الساعة أن قصص الموتى من فرط درجات الحرارة في بعض المحافظات واضحة من درجة حرارة اليوم، لكن لم يكن من يجاوروني مدركين تلك الأشياء تقريبًا.

تحدث الكثيرون عن كلاب الشوارع و القطط التي تعامل بعنف من ملاك المطاعم، والبعض حكى عن مواقف حية وفيديوهات عن طريق الإنترنت شاهدها الملايين تعذب فيها قطة، وكان البعض في الحقيقة يتعاطف مع الفتاة التي تتحدث عن ذلك الأمر، صرخ أحدهم: تحدث عن الورد والنباتات وتذكرت ماذا كنا نقول عن محمد بديع عندما قال: ما ذنب النباتات؟ كنت في الواقع أستمتع بالسماع لهم، كان الحديث أجمل من الحديث عن أحقية الحياة وإثبات جريمة الموت التي شاعت في البلاد.

كانت قصة أن هناك بقية جثة مثلًا تم اكتشافها في سلة مهملات قد تكون غير مصدقة إلا إذا عززت بكلمة النهضة، الجثث التي حرقت وتخشبت وصارت مثل الشجر يتم إيضاح مصادرها بكلمة رابعة، كان من الواضح في مناخ السياسة في ذلك الوقت أن كل الوطن اجتمع ضد السلطة وقتها، لكن لم يجتمعوا على اتفاق واحد تقريبًا، بينما المعارضة تزداد تفككًا والثورة تزداد ضعفًا مع زيادة المساحة بين المشاركين فيها، فاجأني في أحد الأيام مجموعة شباب في مقهي يتحدثون عن حق الكلب في الحياة، وفي الحقيقة شغلني الموضوع طوال الأربع سنوات التي فاتت عن تلك الحادثة، ماذا يعني حق الكلب في الحياة عند بعض شركاء الوطن؟

عندنا في سير الكلاب والحيوانات ما يفي بالغرض، مثلًا حكى أحمد فؤاد نجم أن كلب السيدة أم كلثوم قد عاد حقه بواسطة السلطة نفسها، عندما عض الكلب أحد المواطنين الذين مروا بجوار القصر، كلاب كثيرون يخصون الطبقة العليا من المجتمع عادت حقوقهم من الذي عكروا صفوا سير حياتهم، في حياتي الشخصية رأيت كلاب يصفق لها الناس لأنها استطاعت أن تعض ابن بواب عمارة مثلًا، وكلاب بأطواق وسلاسل في أيدي سيدات المجتمع إشارة توضح في نقطة من القمة تسكن تلك السيدة أو تزوجت تلك السيدة أو ولدت تلك السيدة.

حاولت أن أسأل أقرب شخص لي منذ فترة عن حقوق الكلاب، قال لي: إن الكلب من حقه الطعام والشراب، طلبت منه أن يشير لي علي أي كلب لا يحصل على ذاك الحق، ابتسم لي، وظل يضحك، وقال لي: الله يسامحك يا بيه، كان ذلك في الحقيقة عم مجدي القهوجي، بعد أن طالت الجلسة جلس بجواري عم مجدي، طلب فنجال قهوته وظللنا نحكي، ونقص بعض الأشياء والآراء بصورة عبثية، وكانت أفكارنا تأتي وترحل بين تأييد حقوق الحيوانات في مصر ومعارضة الفكرة لوجود مصر في القصة، كان عم مجدي يجلس يخفي دموعه، بينما نتكلم عن معاناة الكلاب.

قال لي عم مجدي في محاولة للتحدث بين الجدية والهزل، إن الكلاب لا تستطيع أن تتعلم إن لم نوفر لها مدارس، مدارس التدريب للكلاب قليلة وضيقة المساحة، يجب أن تكون المدرسة واسعة ذات حوش واسع و مدربين على أعلى مستوى لكي نقدم كلابًا قادرة على حمل الوطن للامام، أضاف عم مجدي أن جهود الحكومة في أمن الكلاب غير جيدة، الغذاء هو أمن الكلاب الحقيقي، بعض الكلاب لا تحب اللحمة المستورد، وبعض الكلاب للأسف لا تعرف الفرق بين اللحم العادي واللحم المستورد، وبعض الكلاب لا تتقن اكل اللحم، وغير ذلك يا أستاذ.

أوضحت لعم مجدي بأن هناك دعاوى أحيانًا، بأن تأكل الكلاب الخضروات، وأنه من الواضح أن أكل الخضروات سيكون مراعاة لحق البقر، فمثلًا لن تحب الكلاب أن تذبحها الأبقار في كل عيد لكي تأكل لحمها، وكذلك لا يجب أن يحرم العجل من الجاموس التي أنجبته، لابد أن يلتزم كل كلب بكل ما يهديه له الأخضر، وإن الأخضر لون يعني الأمان والصحة والعافية، أما بالنسبة لمسألة التعليم فهي حقيقة يجب الاعتراف بها، أي كلب في بلدنا تقريبًا لم يتعلم شيئًا على يد مدرب المدرسة، يضيع أكثر نباحه شبابًا وحيوية هباءً دون فائدة في تلك المدارس.

أضاف شخص، وقال: إن الكلاب تعاني من مشاكل في الزواج، فكل كلب يحب كلبة واحدة، ولكن يصعب عليه أن يتزوجها في ظل عدم وجود سكن، يجب أن توفر الحكومة بيوتًا للكلاب لكي تتزوج فيها، وتحتمي فيها من برد الشتاء، تزود بطرق تهوية من أجل الصيف، يجب أن نوفر مساحة لأبناء الكلاب، ويجب أيضًا أن … قاطعه شخص آخر وأوضح أن من أجل  أجيال جيدة من الكلاب يجب إنشاء مستشفيات وحضانات؛ لأن كل خلفة للكلاب بها على الأقل خمس وفيات من كل بطن، وهذا الإهدار للأنفس يعالج بالحضانات والمستشفيات المؤهلة لتلك الحالات بشكل جيد.

أضاف ثالث أن الحضانات يجب أن تكون رخيصة الثمن؛ لأن الحضانة في الواقع تكون غالية على الكثيرين من الكلاب أولاد الكلاب الذين لا يسرقون لكي يعيشوا في هذه الدنيا، واستمرار زيادة سعر الحضانة في هذا الزمن قد يصل بنا إلى عدم الفوز بكلب واحد على قيد الحياة في أحد الأيام.

انتفض عم مجدي وأنا كدتُ أن يغمي علي، من الواضح حقاً ان الكلاب في خطر، ذهب عم مجدي لكي يكمل عمله وأنا اتجهت إلى منزلي، في الواقع أرى أن شعبنا لا يرى مشكلة في حقوق الكلاب أو أي شيء آخر، في الحقيقة أصلي الفجر كل يوم، وهناك كلاب بجوار المسجد، لا أحد يؤذيها، ولا هي تؤذي أحدًا، الكلاب منذ أزمنة وهي تسكن الشوارع، وتعيش بيننا لدرجة أنك إن دققت في ملامحنا، فلن تجد فرقًا بيننا وبين الكلاب.

السيد الفاضل أو السيدة الفاضلة الذين أقبلوا على تربية الكلاب، أنا في الحقيقة محب لتلك العادة وأعلم جيدًا كم تكلف، 100 ج كل أسبوع فقط، في أي مشروع يرعى أطفال الشوارع يحل أزمة مجتمع بأكمله، بمجرد دفع ضرائب السيارة والمنزل الذي سيكتب تقرير قيمتهم المالية بشكل صحيح لن يكلف الكثير، الاهتمام بحق حياة الانسان في بلد يموت فيها كل من يتكلم في السياسة؛ ما يجعلنا قادرين على الوصول لنص قانوني يرعي حقوق الحيوان، نحن في الحقيقة لا نستطيع إعطاء كرامة لحيوان دون الحصول عليها.

لم أختلق قصة الحيوانات تلك، في الحقيقة جلس بجواري القهوجي، وانضم معنا الزبائن في ملحمة أشد سوداوية من هذه، إعمال العقل نعمة مثلما الرحمة نعمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد