دهوك مدينة الحب والجمال، مدينة السلم والسلام، مدينة أقل ما يجب أن توصف به مدينة التعايش السلمي والإخاء.

مدينتي تقع في شمال العراق، في منطقة جبلية حيث تحدها جبال من ثلاث جهات مما يكسبها جمالًا فوق جمال طبيعتها الخضراء. ويمر بمدينتي نهران، الأول نهر دهوك الذي منبعه من سد دهوك والثاني يسمى هشكه ور والذي يعني الجاف بسبب جفافه في فصل الصيف.

يعود اسم مدينتي دهوك إلى تاريخ قديم إذ يشير المؤرخ أنور ماني أن اسم دهوك ظهر في عهد الإمبراطور «تاسيوس بيزايسوس» حيث كان يطلق عليه اسم جاهوك، أما المؤرخ حسن حزني موكرباني يقول في أواسط القرن الرابع ميلاديًا كان هناك أمير باسم «أخ شند» يحكم هذا المنطقة وكان يقوم بأخذ الضريبة على شكل كفين أو صاعين من كل بضاعة تمر في المنطقة ويؤيد الكلام المؤرخ أنور ماني.

رغم اختلاف المؤرخين والباحثين على اسم مدينتي والذي سببها أن تاريخ الأكراد تعرض للغبن والظلم من قبل كثير من كتاب التاريخ إلا أن تاريخ المدينة يعود إلى عصر ما قبل الميلاد حيث كانت جزءًا من الإمبراطورية الآشورية ثم البابلية والأخمينية ثم بعد ذلك يغزوها الإسكندر المقدوني والرومان لتصبح مركزًا هامًّا للمسيحية السريانية حيث عرفت باسم نوهدرا قبل أن تتلاشى بعد غزوات تيمورلنك.

يقول المؤرخ البلاذري إنه عند قدوم القائد العسكري الإسلامي «عتبة بن فرقد» سنة 20 هجريًا أو 646 ميلاديًا ودخوله مدينة الموصل، تابع طريقه لفتح المناطق الكردية ومنها «مالتاي» وهي قرية تقع في جنوب مركز محافظة وداسير «داسن»، دخل الأكراد الإسلام قلبًا وقالبًا فكان لهم مساهمات كبيرة في نشر الدين الإسلامي.

مدينتي تعد من أقدم الأماكن التي استوطنها البشر وهذا ما ظهر بالفعل عندما قام وفد من جامعة أورشو في بولونيا برئاسة البرفيسور «كرسولوكي» بأعمال تنقيب والبحث في قرية نمريكي الواقعة في ناحية فايدة جنوب مدينة دهوك وشرق نهر دجلة عام 1985 حيث وصلوا إلى نتيجة مفادها أن تاريخ المنطقة يرجع إلى ثمانية آلاف عام قبل الميلاد، وكذلك موقع جارستين أي الكهف ذو الأربعة أعمدة الواقع في وادي دهوك والذي تؤكد بعض مصادر المؤرخين والباحثين الذين زاروا المنطقة أنه يعتبر من أقدم الكهوف التي عاش فيها الإنسان بكل طبيعته، كما يؤكد المؤرخ حسن أحمد بأن تاريخ كهف جارستين يعود إلى القرون الوسطى وأقدم وثائقها يعود إلى ما قبل 2000 سنة قبل الميلاد وهذه من الأمثلة القليلة في الكثير من المواقع الأثرية التي تشهد على عراقة المنطقة.

(كهف جارستين)

ومن المواقع الأثرية التي تدل على التاريخ العريق لمدينتي تل باستك وكمرن والتي ترجع إلى تاريخ الدولة المتيانية الكوردية، وتل مالتا وكهف هلامتا في شندوخا الواقعة في جنوب مركز المحافظة والتي يرجع تاريخها إلى زمن الميديين الأكراد.

(كهف هلامتا)

وكذلك جسر دلال في زاخو وقلعة العمادية في العمادية من الدلائل التي تثبت للقاصي والداني عن عراقة تاريخ شعب كردستان عامه وأهل دهوك خاصة.

(جسر دلال في زاخو)

مدينتي رمز للمحبة والسلام، حيث سكنها أغلبية من الأكراد المسلمين والمسيحيين واليهود قديمًا و الأيزديين، حيث عاشوا لمدة قرون جنبًا إلى جنب بحب وسلام وهذا ما ترويه جدة كاتب هذه السطور، أنهم كانوا يعيشون في قرية تقع بين الحدود العراقية والتركية وكان سكان تلك القرية من المسلمين والمسيحيين واليهود. فقد كانت تصف الحال في ذاك الزمن الذي عاشوا فيه أنهم لم يهتموا يومًا بدين أي إنسان في القرية حيث كان التعامل بينهم على أساس الإنسانية وهذا مجرد نموذج صغير عن قرية في مدينتي التي عاش سكانها بسلام وتجد ذلك جليًا في المعابد الحاضرة في تاريخ المدينة حيث في الجنوب معبد لالش الذي يعد معبدًا مهمًا للأيزيديين حيث يحج إليه الأيزيديون من كل مكان، وفي الشمال وتحديدًا في العمادية هناك الكنائس والمعابد اليهودية التي تحكي قصة شعب عاش بتوافق ووئام فيما بينهم على مر سنين.

في مطلع القرن العشرين بدأ التاريخ الحديث لمدينتي وكان تاريخ إعلانها محافظة حسب قوانين وتشريعات العصر الحديث هو 27 مايو (أيار) 1969 حيث بدأ معه تاريخ معاناة وألم مع أنظمة الحكم الدكتاتورية في العراق، عانت المدينة من ويلات الحرب بين مطرقة الحكومة العراقية وسندان براميل التيزاب التركية والطائرات الإيرانية ورغم كل الجهود التي قام بها أعداء الشعب الكردي إلا أن الشعب الكردي وأهل مدينتي في كل مرة يتصدون للطغاة ويثبتون للعالم أنهم شعب يستحق الحياة وهذا ما شهده التاريخ بعد 2003 حيث تطورت المدينة تطورًا ملحوظًا وسريعًا، وهذا التطور لم يأتِ من فراغ إنما أتى من شعب يحب الخير ويكره الشر ويحب الحياة ويمجد الحرية.

رغم ظلم البشر وطغيان الطغاة الذي حل على مدينتي إلا أنها لم تفقد إنسانيتها وحبها للحياة فسارعت إلى فتح أحضانها للمظلومين والهاربين من ظلم داعش من العرب السنة، في سنة 2014 حينما احتل تنظيم داعش مدينة الموصل سارع سكان مدينتي إلى فتح أبواب قلوبهم قبل بيوتهم للهاربين من بطش داعش لتذوب فوارق القومية وتبقى الإنسانية السمة التي تغلب على أهل مدينتي.

لمدينتي موقع جغرافي مهم فهي على الرغم من كونها منطقة سياحية مهمة إلا أنها تعد موقعًا ذا طبيعة استراتيجية مهمة، فهي بالنسبة للعراق عامة ولدولة كردستان القادمة بشكل خاص مثلث يربط بين أهم المناطق التجارية في المنطقة حيث من الشمال تعتبر بوابة مهمة في التجارة مع أوروبا، ومن الغرب حلقة وصل للتجارة مع سوريا ولبنان والقارة السمراء، ومن الجنوب ممر نحو دول شبه الجزيرة العربية فهي ذات أهمية من الناحية التجارية والطبيعية والعسكرية.

لا تخلو مدينتي من الأماكن السياحية المهمة لكونها منطقة ذات طابع جبلي مهم والتي يقع إلى جنوبها مناطق صحراوية حارة بطبيعتها الجغرافية، حيث تحتوي مدينتي على الكثير من المصائف ذات الطبيعة الخلابة الجميلة، ومن أهم المصائف «زاويته وسولاف وسرسنك وسورتوكا وئاشاوا وئنيشكي» في أغلب فصل الصيف تكون أجواؤها باردة في منطقة قد تفوق درجة الحرارة فيها 50 درجة مئوية لذلك تكون متنفسا لكثير من عائلات المدينة وخارج المدينة للهروب من درجات الحراره العالية.

في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة من الحروب والمعارك وخاصة الحروب الطائفية التي أصبحت تقف على أبواب مدينتي لازال سكان المدينة يحافظون على الخطاب الديني المعتدل في زمن أصبح الخطاب الديني المتشدد المؤثر الأكبر على حياة الناس، سكان مدينتي يعتنقون نهج الخطاب الديني المعتدل في حياتهم الدينية والدنيوية وهذا ما أعطاهم جمالا فوق جمال طبيعتهم.

يا أبناء مدينتي يزيدكم فخرا أن فوهة البندقية والمدفعية لم تقضِ على حبكم للحياة ولم يزرعوا فيكم روح الانتقام، يزيدكم فخرًا أنكم كنتم قبلة المظلومين والضعفاء والفارين من طغيان البشر، يزيدكم فخرا فوق فخر أنكم لم تساندوا ظالمًا على مر التاريخ ولم تكونوا قوة يفتخر بها الظالم ويسلطها على رقاب الضعفاء، يزيدكم فخرًا أن يذكر اسمكم في كل مرة يذكر فيها الوفاء والصدق والمحبة وصدق الوعد والكرم، يزيدكم فخرًا أن يمدح أخلاقكم الأعداء قبل الأصدقاء.

أنتم رمز الأمل الجديد في زمن كثر فيه الموت، أنتم شمعة الحياة الكريمة التي تنير ظلمات طريق المستضعفين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد