تعاني اليابان من مشكلة حقيقية ومتزايدة بسبب هجرة الشباب من القرى إلى المدن، مما أدى إلى خلو بعض القرى تماماً من السكان ـ خاصة مع وفاة كبار السن تباعاً وانخفاض نسبة الإنجاب بشكل ملحوظ ـ مما يهدد معظم قرى اليابان بالفناء، إذ لا يتعدى سكان بعض القري في الوقت الحاضر خمسين شخصاً.

 

لم يكن حال “أيانو تسوكيمي” – والتي تبلغ من العمر الآن ما يقارب خمسة وستين عاماً ـ يختلف عن بقية سكان القرى؛ إذ هاجرت من قريتها ـ وهي قرية جبلية صغيرة تدعى ناجورو ـ  في شبابها إلى أوساكا، إلا أنها اضطرت للعودة إلى قريتها منذ حوالي اثني عشر عاماً للعناية بوالدها المسن.

 

عند عودتها، هالها أن تجد أن قريتها التي كان يقطنها مئات الأسر في طفولتها، لم يعد بها ما يزيد عن الأربعين شخصاً معظمهم من كبار السن. ولم تعد هناك من أيدٍ للعمل في الحقول المختلفة. في بدء الأمر حاولت أن تقوم بزراعة الحقل المحيط بمنزل والدها، إلا إنها لم تفلح، لذا قررت صنع فزَّاعة (خيال مآتة) لإخافة الطيور والحيوانات لعل المحاصيل تنمو. كانت الفزاعة التي صنعتها تشبه صورة أبيها، وبعد أن انتهت من صنعها جاءتها تلك الفكرة الغريبة بإعادة إحياء سكان القرية عن طريق صنع دمى لهم!

 

حكاية قرية في اليابان

“أيانو” مع الفزاعة التي تشبه والدها

 

صنعت “أيانو” منذ عودتها إلى القرية مئات العرائس للسكان الذين كانوا يقطنون القرية في طفولتها، وقامت بتوزيعها في مختلف أنحاء القرية. فتجد العجائز يجلسن في شرفات المنازل المهجورة، والرجال يعملون في الحقول، والأطفال يجلسون في الفصول المدرسية أو يلعبون في الحدائق!

 

وأصبح عدد الدمى المنتشرة في القرية ما يقارب خمسة أضعاف عدد السكان الحاليين! عندما تشاهد القرية من مسافة بعيدة ستشعر وكأنها عامرة بالحياة، إلا إنك سوف تشعر بالفزع والانقباض بمجرد أن تقترب أكثر لتدرك حقيقة أن هذه كلها ليست إلا مجرد صور جامدة وباهتة لحيوات حقيقية ملأت جوانب القرية يوماً ما، وأناس حقيقيين كانت أصواتهم تتردد في كل مكان. أناس لم يبق منهم غير صورهم التي استخدمتها “أيانو” في محاولة إعادة الحياة إليهم، أو إعادتهم هم إلى الحياة.

 

 

تقول “أيانو”: إنها قامت بصنع ما يزيد عن 350 دمية لجيرانهم السابقين وأفراد أسرتها، إلا أن حوالي 120 دمية فقط هي ما ينتشر في القرية، فحتى الدمى لا تعيش لأكثر من ثلاث سنوات، لذا عليها أن تصنع الدمى باستمرار.

 

جذبت هذه العرائس انتباه الصحافة والسياح من مختلف الأماكن لمشاهدتها، خاصة بعد أن قام أحد الطلاب الألمان في اليابان بعمل فيلم قصير عن القرية ورفعه على الإنترنت. وعلى الرغم من صعوبة الوصول إلى القرية لطبيعتها الجبلية، إلا أنها أصبحت تستقبل الكثير من الزوار. وتقوم الآن “أيانو” بإعطاء ورش عمل مرة أسبوعياً في مدينة مجاورة لقريتها عن كيفية صنع العرائس.

 

يمكنك مشاهدة الفيلم من هنا

 

“بقدر ما أود أن تعود الحياة للقرية مرة أخرى، أتقبل حقيقة أن هذا مستحيل” – تقول “أيانو” – “من المحزن أنه لن يبقى أحد في القرية خلال عشرين عاماً من الآن، إلا إنها حقيقة أن الزمان يتغير، وعلينا أن نتقبل ذلك”.

حكاية قرية في اليابان

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

In This Abandoned Japanese Village, The Life-Size Dolls Outnumber The People
In ageing Japanese village, dolls take place of dwindling population
Village of the scarecrows: Residents of Nagoro in Japan are being replaced by life-size straw dolls
عرض التعليقات
تحميل المزيد