فلسطين- غزة

(1)

سنن الكون كلها تدور في فلك واحد فهي ماضية نحو ما قُدِّر لها في علم الله الأزلي “وكل في فلك يسبحون” وأن غاية العلم التجريبي الوصول إلى هذه السنن التي من خلالها يكون تسخير الموجودات لخدمة الإنسان في عمارة الأرض.

 

قد شهدت أواخر الألفية الثانية جلبة في الأوساط العلمية عما توصل إليه العلم التجريبي من أسرار عظيمة في كيفية تحويل الخلية الجسدية إلى خلية جرثومية يمكن تخصيبها في بيئة خاصة أو أن تستودع في أرحام مستأجرة؛ لتنجب نفس الجسد الذي أخذت منه تلك الخلية، وكان أحد أهم الشواهد الحية لتلك النظرية العلمية تخصيب “النعجة دولي”.

 

غير أن سنن الكون لم تمهلها الفرصة لتعيش طويلًا كمثيلاتها؛ وإن كانت تعكس أهم الإنجازات العلمية في حينه وبما سمي بـ”الاستنساخ”، وما يمكن أن يفتحه هذا الإنجاز العلمي من تغيرات عميقة في أكثر من صعيد.

وقد تزامن مع هذا الفتح العلمي الحديث عن إمكانية الحفاظ على النوع الإنساني دون الحاجة إلى المؤسسة الزوجية والتركيبة الأساسية للنواة المجتمعية (الأسرة).

 

(2)

نعم، لم تعش “دولي” العمر المقدر كمثيلاتها من جنسها، فهي وإن كانت ولدت جديدًا إلا إنها لم تبتدئ حياة جديدة متفردة وفريدة بميلادها، فهي ليست إلا استكمالًا للجسد الذي أخذت منه وانعكاس لكل ما فيه من ضعف وعجز.

 

لعل هذه السُّنَّة (القانون) هي التي سنشهدها سواء بسواء في عملية الاستنساخ غير المشروع لنظام المخلوع (مبارك) الذي أسقطته ثورة لمَّا تستكمل مسارها بعد!

 

نعم، قامت ثورة 25 يناير 2011 على نظام مبارك الذي ورثه من انقلاب على ثورة أودع زعيمها (محمد نجيب) في الإقامة الجبرية إلى أن لقي ربه، وقد استمر هذا النظام الانقلابي ما يزيد عن ستة عقود قائمًا على التزاوج غير المشروع بين سلطة القوة (العسكر) وقوة الثروة (رجال المال والأعمال والإعلام) وبقيت مؤسسات الدولة الرسمية الدينية والقضائية تشهد على عقد التزاوج الباطل بالزور والتزوير.

 

غير أن هذا النظام لم يستطع أن يواجه الجماهير الغاضبة التي أغرقت الساحات فابتلعت كل ما ألقاه فرعون الصغير من عصي وحبال؛ فإذا به يتداعى في ثمانية عشر يومًا.

 

فشهد 11 فبراير من نفس العام أفول رأس النظام (مبارك وأسرته) الذي حرص أن يودع نطفته ويستودع النظام (الخلية) في رحم المجلس العسكري بما يمثله كما أشرنا بأنه أحد طرفي العلاقة غير المشروعة في كينونة النظام المخلوع، وذلك قبل أن يتوارى في مهجعه بـ (شرم الشيخ)؛ ليعيد إنتاج نفسه بطريقة الاستنساخ المدهشة!

 

(3)

وبذلك تتم رحلة التخصيب وتهيئة البيئة اللازمة لذلك والتي تطلبت إدخال كل مكونات الثورة وحلفائها بشكل متدرج في حالة صدام وعداء وتضارب في المواقف، في الوقت نفسه فتح المجال واسعًا لطرفه الآخر قوة الثروة (رجال المال والأعمال) لينطلقوا في سباق مع الزمن لاستيعاب الظرف وإعادة الكرة باستخدام أفواه مأجورة تطل عبر قنوات فضائية انتشرت كالفطر الجدري؛ حتى إذا ما تم كل ذلك اجتمع الطرفان (العسكر والمال) ليعيدا إنتاج الخلية (النظام الانقلابي المخلوع).

 

أجل، هذا ما حدث في مراحل تراتبية متعددة ومتدرجة تطلبت فترة تخصيب لم تزد على ثلاثين شهرًا؛ فيعود العسكر المتزاوج مع المال في حضرة شهود الحال من مؤسسات دينية وقضائية، من جديد بإنتاج النظام المخلوع الذي أفل بكل مكوناته وعلله وأمراضه، فتعود روح نظام مبارك المخلوع لتحل في هيئة عِجل له خوار!

 

وما كان لهذا النظام المستنسخ الذي طلب التفويض بالقتل وسفك الدماء إلا ليستمر إلى نهايته المحتومة وهو يلقي بالبلاد جميعًا في مهاوى الردى، ويستمر بالعبث في كل مكونات الدولة، ويمضى في نهبه المستمر لكل الثروات، ويرتهن بالكامل لأجندة من يعلفه (بالرز).

 

(4)

واستمر هذا المنتج المستنسخ لنظام الانقلاب المخلوع (مبارك) في هذا الدور الهدام يحيط نفسه بوحشية ثأرية لكل من هدد جسده الأول من قبل.

 

إلى أن تغير الحال في الإقليم بشكل متسارع ولا سيما بعد التغير الدراماتيكي الذي شهدته الإستراتيجية السياسية للمملكة العربية السعودية والأسرة الحاكمة بتولي العاهل سلمان بن عبدالعزيز الذي لم يجد في الإخوان غير ضمانة قوة حقيقة في مواجهة التحديات التي تحيق بالعرب جميعًا؛ فإذا بتلك الإستراتيجية تقترب كثيرًا من الطرح التركي القطري الداعم لتوجهات الربيع العربي الذي شكل الإخوان المسلمون عموده ومرتكزه، وهو بذلك يصطدم كليًّا مع  النظام الانقلابي المستنسخ الذي أمدته المملكة ودول أخرى من الخليج العربي بكل الدعم والتأييد.

 

ولذلك ستشهد الأيام القليلة القادمة تداعي هذا النظام المستنسخ وقد بدت حالة التردي واضحة في كل أوجه هذا النظام ومشاريعه الوهمية التي لم تغرق البلاد في مياه المجاري فقط، بل أغرقته في الديون والفقر والقهر؛ ولأنه في الحقيقة استكمال لنظام استُنسِخ منه استنفذ كل مبررات وجوده.

 

وقد كان الرفض الشعبي قويًّا بالامتناع عن المشاركة في التزييف نحو بناء مؤسساته الصورية، وهذا ما يُعدُّ إنذارًا تحذيريًّا قويًّا لتحرك جماهيري جارف يقلع النظام المتعفن من جذوره لم يأتِ بخير حيث توجَّه أو وجِّه.

 

إلا أن يتم إجراء عملية سياسية تضمن عودة المسار الديمقراطي من خلال عودة د. محمد مرسي رئيس الجمهورية من معتقله إلى كرسي الرئاسة؛ ليستكمل تحقيق المطالب الثورية التي حملتها ثورة 25 يناير، وإجراء مُصالحات داخلية لإشراك كل المكونات الوطنية في عملية البناء والنهوض على غرار ما شهدته جنوب إفريقيا في مطلع تسعينات القرن الماضي التي لم تنح نحو الثأر من النظام (الأبرتايد) العنصري، وانطلقت نحو البناء والاستفادة مما هو موجود في عملية التنمية لتكون جنوب إفريقيا من الدول الثمانية الأسرع نموًا في العالم، فهل هذا ما ستشهد مصر في قادم أيامها أم ستتجه نحو النموذج السوري؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد