تزعم النظام الدولي

انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بعد إعلان ميخائيل غورباتشوف «رئيس الاتحاد السوفيتي» عام 1991م حل الاتحاد وتسليم ونقل السلطات لدول الاتحاد التي شكلت فيما بينها «رابطة الدول المستقلة»، وكان هذا الإعلان بمثابة نهاية الحرب الباردة، التي كان العالم فيها منقسم بين كتلتين، الاشتراكية الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي والرأسمالية الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لينتهي المطاف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية «أحادية القطبية» للعالم وانتهاء ثنائية القطبية.

لم تكن نهاية الاتحاد السوفيتي هي الفارقة الوحيدة التي ساعدت الولايات المتحدة الوصول إلى الهرم منفردة؛ وإنما كان سببًا كاشفًا لقوتها، ولما لها من تأثير على الساحة الدولية التي لم يستطع الاتحاد السوفيتي الصمود أمامها بعد أربعة عقود ونصف من الصراع. لم تكن القوة الصلبة «العسكرية» لها دور في الحرب الباردة (1945-1991) باستثناء حروب الوكالة والحروب غير المباشرة بين الكتلتين الشرقية والغربية، كالفيتنام، أفغانستان، كوبا، والتدخل في الكثير من بلدان الهامش «الدول النامية» التي كانت تسعى للتحرر من الاستعمار.

كيف يمكن لدولة تحقيق أهدافها دون الإرغام والتهديد؟ وما هي القوة التي امتلكتها الولايات المتحدة الأمريكية حتى هيمنت على النظام الدولي؟

يقول كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق «لا أستطيع أن أفكر في رصيد لبلدنا أثمن من صداقة قادة عالم المستقبل الذين تلقوا تعليمهم هنا؛ ذلك أن الطلبة يعودون إلى أوطانهم بالعادة بتقدير أكبر للقيم والمؤسسات الأمريكية، وكما هو وارد في تقرير «مجموعة التعليم الدولية» فإن ملايين الناس الذين درسوا في الولايات المتحدة على مدى سنوات يشكلون خزانًا رائعًا للنوايا الحسنة تجاه بلدنا، وكثير من هؤلاء الطلبة السابقين ينتهي بهم الأمر لاحتلال مراكز يستطيعون من خلالها التأثير في النتائج السياسية التي هي مُهمة لأمريكا»، وهذا يذكرنا بتغير السياسة الباكستانية تجاه الغزو الأمريكي لأفغانستان في عهد برويز مشرف الذي كان ابنه يدرس في «بوسطن»، من معارض لمؤيد.

هذه هي القوة الناعمة والتي يعرفها جوزيف ناي بـ«القدرة على الحصول على ما تريد بالتأثير على السلوك دون أوامر» وهي أيضا: «القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام أو دفع الأموال،ةوتنشأ من ثقافة بلد ما، ومثله السياسة، وسياساته، فعندما تبدو سياساتنا مشروعة في عيون الاخرين، تتسع قوتنا الناعمة».

ما امتلكته الولايات المتحدة الأمريكية من قوة لم تمتلكها أخرى، ما دفع بها للوصول للقمة دون مواجهة مباشرة، وهو الدور الذي استحقته سواء كانت ترغب في الوصول لذلك المكان أو لا، فهو النتيجة الطبيعية لدولة تمتلك أعظم جيش في العالم، وقوة اقتصادية شكلت أكثر من ربع الاقتصاد العالمي، هذا فضلاً عن تصدير الثقافة الأمريكية التي تمثلت بمعايير الليبرالية السياسية منها والاقتصادية.

تمثل الأولى قيم الديمقراطية وتجسيد روح القانون والعدالة بين الناس إضافة إلى نشر مفهوم التعاون الذي يؤدي إلى شراكات حقيقية مع العالم الخارجي، والليبرالية الاقتصادية التي تتمثل بحرية السوق ودفع المجتمعات للمنافسة، ليس هذا فحسب بل إن السياسة الخارجية التي تبلورت في أوروبا بداية بمشروع مارشال الذي ضخ المليارات لإعادة إعمار أوروبا والذي عاد عليها بالنفع العظيم، والدعم المستمر للدول في النهوض – سيما – العوامل الأخرى مثل القوة الذكية «التكنولوجيا»، المشروبات، المأكولات، ماركات الألبسة، الأحذية، دور الأزياء، هوليوود «إنتاج وصناعة الأفلام» ، ودور العولمة في ترسيخ القوة الأمريكية في الخارج، لم يعطِ المكانة لأي دولة حتى الوصول لدرجة بسيطة من المنافسة في أي مجال «اقتصادي، عسكري، سياسي، ثقافي … أيا كان».

كيف أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية؟ وهل بقيت القطب المهيمن على العالم؟ وما هي المعالم الجديدة في النظام الدولي؟

لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية كما كانت؛ وبدأت ملامح جديدة للنظام الدولي تظهر، فلقد ظهرت فواعل أخرى في النظام الدولي قادرة على المنافسة بشكل جدي وإن لم تكن على مختلف الأصعدة.

في السنوات الاخيرة تغيرت سياسات الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العالم وتجاه القضايا الدولية، ويبدو أنها قسمت حسب قدرة الولايات المتحدة؛ انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية المناخ، وتراجع دورها الدولي على مستوى الصراعات الدولية، خفضت عدد جنودها في العراق وتتهيأ للخروج النهائي، لم تكن لها دور مركزي في الأزمة السورية، وتركت روسيا تأخذ الدور الأساسي والتي كانت تحلم بالوصول للمياه الدافئة، ولم يكن لها دور فعال في الملف الليبي، خرجت من منظمة اليونيسكو للعلوم والثقافة، انسحبت من الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، مطالبات مالية لدول بطريقة مهينة ولا تعبر عن دولة ليبرالية حتى لو كان شكلاً، فرض قيود وحصار وعقوبات اقتصادية بشكل منفرد عن الإرادة الدولية، توقف الدعم المقدم لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (UNRWA)، أظهرت الانحياز بشكل مباشر لإسرائيل في الصراع العربي الاسرائيلي، إصدار قرارات والعدول عنها بين ليلة وضحاها خاصة في فترة حكم الرئيس دونالد ترامب.

تظهر قوة الدولة في المحافظة على وجودها، إذ هو الركيزة الأساسية لبقاء الدول، والعنصر الأساسي المكون للدولة هو العنصر الآدمي الذي يحتاج للأرض والنظام والمصادر ليستمر في المنافسة. ظهر فايروس كورونا covid-19 التاجي في مدينة ووهان الصينية، والتي يبلغ تعدادها السكاني أكثر من 11 مليون نسمة في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) المنصرم، واتخذت الحكومة الصينية إجراءات صارمة كما أعلنت، وعزلت المنطقة ومنعت الوصول إليها وقطعت كل السبل أمام الفيروس للانتشار، وأعلنت بعد فترة أربعة أشهر تقريبا القدرة على السيطرة على الفيروس ومنعته من الانتشار أو سيطرت عليه كما سوقت الماكينة الإعلامية الصينية «الإعلام الصيني يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمكتب رئيس الدولة، وهناك تضييق كبير على المعلومة قبل نشرها»، واللافت أيضًا هو أن معظم الحالات المصابة تتماثل للشفاء وعدد الوفيات بسيط جدًا كدولة بدأ فيها الفيروس وكأكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان مقارنة بغيرها.

نجحت الصين بالفعل بالتسويق لروايتها بتماثلها للشفاء، ليس ذلك فحسب بل إنها «سَيسَت القضية» وبدأت بتقديم المساعدات للدول، وكانت السباقة لمساعدة إيطاليا التي تحتل المركز الأول في عدد الوفيات في العالم، ما دفع العديد من الطليان بمظاهر إعجاب وترحيب بالصين؛ فقام الكثير منهم برفع العلم الصيني مكان علم الاتحاد الاوروبي، ومنهم من أحرق علم الاتحاد؛ وهذا بسبب تأخر الدعم الأوروبي لإيطاليا وكذلك إسبانيا، مما دفع دولة كصربيا طلب المعونة بشكل رجاء من الصين، والتي لم تخييب آمالهم، في ظل عدم وجود للولايات المتحدة الأمريكية ووجود ضئيل للاتحاد الأوروبي.

أيضًا روسيا تسابق الركب؛ فتتبع خطوات الصين، فقدمت المساعدات لإيطاليا، وقدمت المساعدات لصربيا، حتى أنها أرسلت الطائرات العسكرية محملة بالمعدات الطبية للولايات المتحدة الأمريكية، وقد تحدث بوتن عن ذلك بشكلٍ يحط من مركز ومكانة أمريكا التي تفرض عليها عقوبات اقتصادية، وترفض وقفها عنها أو عن إيران أو كوريا الشمالية، ليس هذا فحسب بل ازدادت الأزمة بتعويم النفط من السعودية؛ جراء أزمة روسية سعودية، وعدم القدرة على السيطرة على الأسعار ليصل برميل النفط أقل من 25 دولار للبرميل، وعدم قدرة الإدارة الأمريكية على السيطرة على السوق؛ فالانتخابات الأمريكية اقتربت ولا يستطيع الرئيس الأمريكي الطلب من شركات النفط في تخفيض الإنتاج، وبالتالي تؤدي إلى هبوط أسهمه الانتخابية لدورته الثانية «ولاية تكساس التي يوجد فيها أكبر شركات النفط الأمريكية، وتمثل نصف الإنتاج الأمريكي تقريبا من النفط، كانت محسومة لترامب في الانتخابات الداخلية للجمهوريين وكذلك الرئاسية؛ وعليه تكون الحسابات مختلفة»، فاكتفت الإدارة الأمريكية في هذه الجزئية بالحديث المتكرر أنها تواصلت مع ولي العهد السعودي والروس لحل الإشكال بينهم رغم عدم التصريح من الأخيرين بأي شيء من ما تقدم.

لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية كما كانت؛ وتحاول التراجع إلى الداخل بحصر أولوياتها وعدم التوسع لا بل تضييق المدى، أما عن الخوف الذي تخشاه فهو الصين التي يبدو أن ملاحقة عجلتها الاقتصادية سيحتاج الكثير من التضحيات، وباعتقادي التأخر في إعلان حالة الطوارئ أو قانون الدفاع في الولايات الأمريكية، هو في البداية الخوف على الاقتصاد الأمريكي، والذي كلف الدولة، بعد توصلها لقناعة الخطر، أكثر من 350 ألف إصابة في أقل من شهر تم الإعلان عنها وأكثر من 10 آلاف حالة وفاة جراء الوباء، وخطة طوارئ بتكلفة 2.2 تريليون دولار والادارة تتحدث عن حاجتها للمزيد؛ للأدوات والأجهزة الصحية، ولحماية الاقتصاد الأمريكي من الركود.

ولكن هل يمكن أن يكون تراجع الولايات المتحدة الأمريكية هو سبب في تسارع هيمنة الصين على النظام الدولي؟

بالتأكيد تراجع الولايات المتحدة الأمريكية سيعطي الصين الفرصة لاختراق النظام الدولي والوصول إلى القمة، لكن إلى أي مدى وكم من الوقت يحتاج، هذا يحدده حجم التراجع الذي سيصل له الاقتصاد الأمريكي، وإلى أي درجة ستنجح الصين في الاقناع بروايتها عن التعافي والتعداد من المصابين، و إلى أي حد ستتمكن من الوصول إلى الدول دون ترسخ قناعاتها بأن كل ما تقدمه هو في مصلحتها أولا وأخيرا؛ فإيطاليا شريكها المستقبلي!

في النهاية للهيمنة معايير كثيرة، فكانت في السابق تتمثل في القوة الصلبة العسكرية التي تمتلكها الدولة، حتى اكتشف السلاح النووي الذي مثل رادعًا للدول، وبدأت تتجلى معايير أخرى للهيمنة تتمثل في القوة الناعمة التي تمتلكها الدولة بمختلف طرائقها، والصين لحقت هذا الركب. ويبقى التساؤل الذي ستوضحه جائحة كورونا، هل امتلكت الصين القدر الكافي من القوة لتسلمها زعامة النظام الدول؟، وهل سيكون التداول سلميًا للسلطة بين أمريكا والصين؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الهيمنة
عرض التعليقات
تحميل المزيد