الاستبداد والابداع

يذكر الأستاذ محمد أحمد الراشد في كتابه منهجية التربية الدعوية في سياق حديثه عن علاقة حركة الحياة وعلاقة تضافرها بتاريخ العلم أن الحكومات في كل هذه البلاد التي ساهمت في تطور العلم هي حكومات تعدل بين رعيتها، وتحفظ حقوقهم السياسية والإنسانية، والقانون فيها هو الفاصل؛ مما يعني أن البيئة السياسية تفعل فعل التقدم المدني وتضاعف آثار البنية الأساسية، وما تشهده أكثر بلاد المسلمين اليوم من ضعف الإبداع إنما مرده في جزء منه إلى الاستبداد وهدر حقوق الإنسان، وما يتبعها من تمجيد الحاكم وتمكين النفعيين وكبت الأحرار، وأصحاب الرأي المستقل، فالاستبداد أحد عوامل التخلف والتراجع الحضاري؛ لأن المستبد لا يقيم وزنًا للنمو والإبداع في مقابل تشديد سطوته، وتثبيت حكمه، فجهده مكرس لتوطيد بقائه في الحكم، وهو مقدم على الاهتمام بالتطور الثقافي، والتقدم العمراني، فالسلطان مقدم على العرفان والبنيان في ثقافة المستبد.

إن حاجة الأمة إلى الحرية كحاجتها إلى الهواء والماء والغذاء وكل ما ينال من هذه الحرية من دعاوى ومزاعم أو يقلل من شأنها أو يحد منها أو يضع القيود عليها تحت أي شعار أو ستار، إنما هي دعاوى مشبوهة ومزاعم مشكوك في نيات أصحابها مهما ادعوا من سمو أفكارهم وقداسة معتقداتهم ونبل مقاصدهم، وقد أثبتت تجارب الأمم أن سيادة مبدأ الحرية ومنع الاستبداد هو قارب النجاة من الأمواج العاتية، والعواصف الهوجاء، والعاصم من الدكتاتورية بكافة أشكالها السياسية والعسكرية، وصمام الأمان في لجم المغامرات والطموحات الفردية أو الطغيان الحزبي أو الطبقي أو الطائفي العنصري.

وفي حال تمكن وسيادة الاستبداد والاستعباد والقوانين الجائرة والاحكام والممارسات الأمنية، والاستغلال الاقتصادي والاستحواذ أو احتكار الثروات الوطنية، وكل شكل من أشكال الهيمنة على المجتمع فهو مُعلن بانفجار ثورة الشعب والدخول في صراع مؤذن بخراب العمران وسقوط وانهيار الدولة إن لم يحسم أحد الطرفين المعركة في الوقت المناسب.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: «إن المستبد يؤمن بنفسه قبل أن يؤمن بالله.. ويؤمن بمجده الخاص قبل أن يؤمن بمصلحة الأمة» ولذا لا تجد مستبدًا يحقق العبودية الخالصة لله؛ لأن إيمانه بنفسه أسبق من إيمانه بالله خالقه، ولا تجد بلدًا يحكمه مستبد ينعم بالخير والرفاه؛ لأن المستبد يؤمن بتحقيق مجده الخاص على حساب مجد وتقدم الوطن والمواطن.

في حين يقول الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة «من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن المستبد قد يحاول من خلال معان معينة يقوم على بثها ونفث سمومه فيها، ليؤسس لكل ما يؤدي إلى تمكين سلطانه وتثبيت كرسيه. وهو في هذا الشأن لا يستحي أن يقوم بقلب الكلمات أو التلاعب بمعانيها أو وضعها في غير سياقها أو مقامها، فهذه من ألعاب المستبد وزبانيته؛ يقوم بها ما استطاع وتقوم عليها أجهزة إفكه ومن حملة المباخر لديه، لترويج خطاباته التي لا تتعدى في حقيقة الأمر أن تكون إلا كلامًا خبيثًا مسكونًا بفائض السلطة، أو كلامًا مسمومًا يبقى في جوفه السم القاتل الذي يقوم بقتل الكلمات بتزييفها وتشويهها، قبل أن يقتل النفوس من خلال هذا الاستخدام الزائف والمعاني المزورة».

مستخدم أدوات التحريف والتزييف والتسويف من إعلام أشر وأبواق منحرفة وأموال محرمة لينفخ كيره العفن في تخدير وتضليل الرأي العام.

ويستمر الدكتور عبد الفتاح في حديثه عن صناعة المستبد والاستبداد: «نقول ذلك للاعتبار الذي يتعلق بصناعة الاستبداد والمستبد وأول تلك الصناعة الاستبداد بالكلمات، فيعطيها غير معانيها ويقصي منها كل معنى حر، ويضفي عليها كل غطاء زائف يتعلق بالعبودية وصناعة القطيع. إنها المناعة الزائفة التي يريد فيسهل معها انتشار السرطان الاستبدادي وانهيار المناعة الحقيقية، فيتمكن من تحويل خلاياه الحية للمقاومة إلى خلايا سرطانية خبيثة تفتك بكيان الوطن والمواطن معًا».

وحقيقة الأمر وما أثبتته السن الكونية وحركة التاريخ أن الاستبداد والإبداع لا يجتمعان؛ لأن الاستبداد جبل على القمع والإبداع فطر على الحرية فأينما تحققت الحريات انطلقت مسيرة الإبداع، وأينما جثم الاستبداد ساد الخوف، والرعب، والتراجع، والتقوقع، ثم الانهيار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد