الذي يقرأ كثيرًا ويمشي كثيرًا، يرى الكثير ويعرف الكثير.. ميغيل دي ثربانتيس

الحديث له علاقة بتاريخ الإمبراطورية اﻹسلامية من خلال رائعة دون كيخوطي دي لامانتشا Don Quijote de la mancha لرائد الادب اﻹسباني ميغيل دي ثربانتيس، والرجل عاش هذا الحدث، وتأثر به في حياته، ومن خلال أعماله الأدبية، أما الحدث فهو معركة ليبانتو (Batalla de Lepanto) التي جرت في القرن السادس عشر بين الأسطول العثماني والأسطول اﻹسباني بين أكبر إمبراطوريتين في ذلك العهد.

والرجل هو ميغيل دي ثربانتيس سابيدرا الكاتب الشهير صاحب العمل التأسيسي اﻷول للرواية في العالم، والتي تعد روايته دون كيخوطي دي لامانتشا التي نشرت على جزأين بين أعوام 1605 و1615 تصويرًا دقيقًا لنفسية الإنسان اﻹسباني ما بعد عهد سقوط الأندلس، الذي يظل طيلة حياته فريسة نوازع متضاربة من الخير والشر والواقعية والمثالية، وما ينعكس من هذه النوازع على حياته، من اجترار ساذج لمأساته، وسخريته أحيانًا من العوائق الكبيرة التي تقف حائلًا بينه وبين تحقيق أحلامه الطموحة.

بداية الحكاية من المعركة الى الأسر

معركة ليبانتو في الحقيقة هي من ذيول معركة جربة (Batalla de los Gelves) التي جرت بين العثمانيين وبين العصبة المقدسة بقيادة إسبانيا القشتالية بين 9 و14 مايو (أيار) 1560، بسبب نوايا السلطان سليم الثاني فتح جزيرة قبرص، والتي ما زالت إلى الآن محل خلاف بين الأتراك والأوروبيين، حيث إن الجزيرة مقسمة إلى قسمين بين قبارصة اﻷتراك وقبارصة اليونانيين، بتاريخ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1571 التقى الأسطولان اﻹسباني والعثماني في خليج باتراس والتحمت بينهما معركة (ليبانتو) من أعنف ما عرف في التاريخ، وتم النصر فيها للإسبان الذي قاد تحالفًا من إمارة البندقية وجنوة وفرسان مالطة، إضافة إلى الدويلات البابوية، فسقطت في أيديهم غنائم كثيرة ووافرة، إستطاعوا تحرير وافتكاك 13 ألف من المسيحيين، الذين كانوا قد ربطوا بالمراكب العثمانية، وكلفوا بحذفها، ومما وصف به أحد المؤرخين ميدان المعركة أن الرياح التي هبت عقب العاصفة ظلت تعبث طيلة الليل ببقايا السفن المكسورة وجثث القتلى والأشلاء المبعثرة والدماء العائمة، التي كانت تحتل بقعة فسيحة من البحر، وأنه في هذا الليل أخذت السفن تنشد مرفأها الأمين. وفي إحدى سفن الأسطول الإسباني، وهي سفينة لاماركيزا – كان هناك جندي مغمور اسمه ميغيل دي ثربانتيس، اندفع إلى اقتحام المعركة بنزوع طبيعي للمغامرة والمخاطرة بالنفس ومعاني البطولة والرجولة، التي يمجدها مجتمع الفروسية، وفي تلك المعركة أصيب بطلقتين في صدره، وأخرى في يده اليمنى حطمتها إلى الأبد، وقد وصف ثربانتيس المعركة بقوله في روايته الماتعة والممتعة دون كيخوطي (أعظم حدث شهدته العصور الخوالي أو العهود الحاضرة، وقد لا يكون له نظير في المستقبل).

وبمجرد انتهاء المعركة انهمك العثمانيون في تجديد قوتهم وعتادهم وبناء سفن جديدة من أجل القصاص لهزيمتها، وأخذوا يغيرون على مرافئ الإمارات المسيحية المتوسطية، واشتبكوا معهم في عدة معارك، لكن هذه المعارك لم تسفر عن نتيجة بالنسبة للجانبين، ولكنها جعلت من إمارة البندقية تذعن لمطالب العثمانيين بخصوص تسليم جزيرة قبرص، وعقدت معها معاهدة في 7 مارس (آذار) 1573، ولكن بعد هذه المعاهدة وبعد أقل من عام قام الأسطول العثماني بتدمير سواحل إيطاليا الجنوبية؛ مما جعل الأوروبيين ينكفئون داخليًا من أجل ترتيب التحالفات والاستراتيجيات.

وفي السنة التالية جهز دون خوان دي أوستيريا شقيق ملك إسبانيا جيشًا قويًا وعرمرمًا هجم به على تونس واستولى عليها دون عناء كبير وفي سنة 1574، بينما كان دون خوان في جنوده، بلغه أن أسطولًا عثمانيًا ضخمًا قد أقلع تحت قيادة علج علي باشا قاصدًا شواطئ أفريقية، فأبحر من جديد إلى تونس ووصلها بعدما استعادها العثمانيون، فأصيب بفشل ذريع وخيبة أمل وغرق الكثير من مراكب أسطوله، وعاد إلى نابولي حيث رابط أسطوله إلى حين.

وكان ثربانتيس قد شارك في كل هذه الحملات، وتعرض فيها للموت مرات عدة، فأفعم قلبه بالحنين إلى العيش الهادئ المطمئن في بلده وبين أهله، وقرر العودة إلى إسبانيا، والأمل يحدوه في أن يقطف ثمار كده الطويل والشاق في ميادين المعارك والحروب، وفي يونيو (حزيران) 1575 وصل دون خوان إلى نابولي فحظي ثربانتيس بمقابلة بواسطة الدوق دي سيسا، وأسفرت هذه المقابلة عن إعطاء الأمير الشاب للكاتب المغامر، رسالة توصية إلى شقيقه الملك فيليب الثاني، ليقلده قيادة كتيبة، وكانت رسائل كل من دون خوان والدوق دي سيسا، ويده المعطوبة كافية في ظنه ليقلد ما يتمناه، ولكن الأقدار ساقته إلى الأسر في سجون الجزائر وفتقت فيها قريحته الأدبية، حيث قضى خمس سنوات قام فيها بقيادة عدة محاولات للهرب من السجن باءت كلها بالفشل، وقد إنعكست كل هذه التجارب المرة في روايته الخالدة الذائع الصيت الذي يعد من أعمق وأنضج ثمار الفكر والأدب العالمي، وهو دون كيخوطي دي لامانشا، إضافة إلى العديد من ألأعمال الإبداعية الأخرى

من هو الكيخوطي؟

جاء المغول ودون كيخوط منتفضًا ما زال يضرب أعناق الطواحين – الشاعر العراقي وليد الصراف

الكيخوطي رجل حالم يتزود على طاقة من الحلم؛ لمواصلة النضال والصراع، والقساوسة الذين يتخيلهم لصوصًا جبناء ومصارعة طواحين الهواء، ومصارعة الرجل الذي يتحداه ويدعي أن محبوبته أجمل من (دولثينيا) التي جعل منها الكيخوطي صنمه المعبود، ومحور كل أفكاره وإلهاماته.

والكيخوطي رجل من النبلاء عازب ولع بقراءة كتب الفروسية، وتتبع أخبار الأبطال، ومن قلة النوم وكثرة المطالعة نشف دماغه على حد قول الرواية – وأصيب بخبل في عقله حمله على الاعتقاد بأن كل ما يقرأ صحيح فقرر امتهان حرفة الفارس الرحالة ووضعها موضع التنفيذ، مقبلًا على حياة مليئة بالأخطار والمجازفات، وإتخذ له حصانًا هزيلًا كان يرى فيه مثالًا للقوة والجمال، واتخذ من فتاة فلاحة من إحدى القرى المجاورة لامانتشا، كان مغرمًا بها في صغره، وهي سيدة أفكاره، ولم يرق له اسمها وهو (ألوندرا) فسماها دولثينيا وشرع في رحلة تحت تأثير وهمه المحموم برفض كل ما يقع تحت أنظاره من محسوسات، ولا يصدق ما يحوم حوله في خياله وأحلامه.

وفي الدون كيخوطي فصول أخرى عن حياة الأسرى في سجون الجزائر استمدها ثربانتيس من صميم تجاربه، كما ألف مسرحيتين عن الجزائر إحداهما حمامات الجزائر والثانية السلطانة.

تخليد تطوان بنت غرناطة في أعمال ثربانتيس

ما دفعني إلى ذكر مدينة تطوان الملقبة ببنت غرناطة والحمامة البيضاء، في هذا المقال هو تخليدها من قبل الكاتب المغامر ميغيل دي ثربانتيس في أعماله الإبداعية الأخرى والتي لها علاقة بدون كيخوطي دي لامانتشا في ظروف الأسر والاحتجاز، حيث نقل مشاهد الأسر والسجن في هذه المدينة في عهد الحاكمة الأميرة ست الحرة الغرناطية التي كانت تحكم تطوان بشكل مستقل عن السلطة المركزية في المغرب آنذاك بسبب ترهل وضعف الدولة المغربية في عهد الوطاسيين؛ مما جعل تطوان مدينة أشبه إلى مدينة جمهورية، وكانت مركزًا للجهاد البحري ضد الإسبان والبرتغاليين وميناؤها شاهد على ذلك، فبعد سقوط غرناطة آخر معقل للمسلمين في إسبانيا، كانت تطوان ملاذًا للأندلسيين الهاربين من القتل على الهوية مسلمين ويهود، وتحولت تطوان بعد أن كانت خرابًا بسبب تدميرها من قبل الملك الإسباني هنري الثالث عن آخرها سنة 1399 إلى مدينة أندلسية خالصة بعد أن بناها سيدي علي الغرناطي، وأضحت تطوان صورة مصغرة عن الفردوس الأندلسي المفقود تطوان بنت غرناطة ما هي إلا صورة انعكاسية لثقافة وحضارة عمرت أكثر من ثماني قرون في إسبانيا، فتاريخ تطوان موغل في القدم فهناك مدينة رومانية تعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد تسمى ثمود ودمرت على إثر احداث ثورة إيديمون وفي سنة 1307 أعيد بناؤها كمدينة محصنة وكقلعة كان الهدف منها تحرير سبتة، وفي خضم تلك الحروب دمرت تطوان وأعيد إحياؤها على يد الأندلسيين.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن يذكرها الكاتب ثربانتيس في أعماله الأدبية، بالرغم من أنه لم يزرها، ففي روايته المسرحية الدرامية (قاضي الطلاق) el juez de los divorcios ذكر تطوان بصريح النص على شكل العبارة التالية.

como si por milagro se librase un cuativo de los mazmoras de tetuan، وتعني بالعربية الأمر شبيه بحدوث معجزة استطاع بفضلها سجين الهروب من مطامر تطوان.

والمطامر هي عبارة قبو تحت أرضي كان مكانًا لأسرى الأوروبيين، خاصة وأن السفن العثمانية كانت لها امتياز مرورها من ميناء تطوان، وكانت عقدت اتفاقًا مع ست الحرة اميرة تطوان لبيع الأسرى واستعمالهم كورقة ضغط سياسية تجاه القوى الأوروبية، كما أن ثرفانتيس تحدث عن المطامر في عمل روائي آخر بعنوان السلطانة العظيمة la gran sultana في إشارة إلى الست الحرة في تلك الحقبة.

وتأسيسا على ما سبق فاإن ثربانتيس لم يكتب عن مطامر تطوان من فراغ، بل كان إبداعه لانعكاس لتجرية قاسية ومريرة للأسر في الجزائر، والتي تشبه مطامر تطوان، وبعد عودته الى وطنه وكنتيجة لما راكمه من تجربة سجنية قاسية ومريرة وتعرف على أهوال هذه المطامر سمع قصص لسجناء سابقين في تطوان، والذين تعرف من خلالهم عن هذه المدينة التي كانت دومينو أساسي في مواجهة القوى الأوروبية آنذاك.

لقد استطاع ميغيل دي ثرفانتيس من خلال أعماله وأبرزها دون كيخوطي أن تجد لنفسها موطئ قدم في التراث الإنساني، ولم يقتصر تأثيرها على مجرد النقل والترجمة إلى معظم لغات العالم وحسب، بل جاءت شخصية رمزية، تشير إلى نمط التفكير والأسلوب الحياتي، وقد استوحت منها الثقافات المختلفة رموزًا وأفكارًا لا تحصى، وقامت باستدخالها في تراثها الفكري والأدبي، ولابد أن نشير إلى أن تقنيات الكيخوتية موجودة في بعض الأجناس العربية، وواضح من حيث ملامح الراوية التأثير الأندلسي القوي وتأثير أبطال القصص العربية والإسلامية مثل الظاهر بيبرس وعنترة بن شداد، فدون كيخوط هي بداية للواقعية الأدبية الحديثة المسمى بالرواية المتعددة الألحان أو الرواية البوليفونية NOVELA POLIFONICA، والتي كان لها تأثير لاحق على الأعمال الأوروبية من خلال منهجه وأسلوبه الكتابي غير المشروط، والتي يمكن للفنان من إظهار كل ما هو ملحمي وغنائي وتراجيدي وتاريخي  وكوميدي في محاكاة ساخرة لجميع القوالب اﻷدبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب

المصادر

تحميل المزيد