للتو انتهيت من قراءة رواية «دون كيشوت» أو «دون كيخوته» كما تُنطق بالأسبانية، والرواية من تأليف الكاتب الأسباني الشهير الذي عاش في القرن السابع عشر «ثربانتس».

وقد تخيل الكاتب بطل قصته «دون كيشوت» فارسًا مغوارًا وأن من الواجب عليه السعي وراء المغامرات والأخطار، فيركب حصانًا هرمًا أى عجوزا، ويلبس درعًا وقد علاه الصدأ، ويصطحب معه تابعه الأمين العجوز «سانشوباتزا»، ويلتقى دون كيشون بقطيع من الأغنام، فيخيل إليه أنها جيوش العدو الذي يتصدى له، فيندفع بجواده ليخوض المعركة ويأخذ في الطعن والنزال، حتى إذا رأى طواحين الهواء حمل عليها هي الأخرى وهو يحسب أنها عمالقة تناصبه العداء، فيأمر بالهجوم عليها!

لا أدري ما الذي يمكن أن يكتبه ثربانتس لو بُعث من قبره المدفون فيه منذ مئات السنين، فلو تم دعوة الكاتب الأسباني ليكتب عن حال الحكام العرب فإنه لن يكتب شيئا، فقط سيقول إنهم دون كيشوت عصرهم، ولن يضيف الكاتب الأسباني شيئًا، فها هم الحكام العرب يعتقدون أنهم دون كيشوت ويسلكون نفس مسلكه!

فلم يعد هناك من قاسم مشترك يجمع بين المواطنين العرب سوى البكاء على أحوالهم، فها هي سوريا بكامل ربوعها تتمزق وتصرخ بغير جدوى بما فعله المجرم بشار بها بقواته وحلفائه من جانب والجانب الآخر من أعدائه، فلقد أصبحت سوريا ملعبا دوليًّا تُصفى فيه الحسابات بين الكبار، ودافع الثمن أيا كانت نتيجة المعركة بين الكبار هو وحده المواطن السوري، ولم نسمع صوتًا في أوروبا –المتحضرة- يصرخ لوقف بحر الدماء في سوريا، كما سمعناه في صرخاتهم وصرخات ساستهم «أوقفوا اللاجئين»، ما هي إلا إنسانية مزيفة حاولوا ترديدها على أسماعنا عبر منابرنا ومنابرهم الإعلامية!

كذلك ما يحدث لأهلنا في اليمن من قتل وتشريد وتدمير لبلادهم، حين استيقظت السعودية صباح يوم لتكتشف أن أمنها القومي في خطر، وأن عليها أن تدمر اليمن فوق رؤوس أهله حفاظًا على الأمن القومي السعودي!، وتارة تضرب بمقاتلاتها مجلس عزاء لا يحضره سوى مدنيين، وتارة تضرب مستشفى وتهدمها على رؤوس أطبائها ومرضاها، ولكن يهون كل ذلك في سبيل الأمن القومي السعودي!

والعجيب في الأمر أننا لم نسمع عن تحرك الأجهزة الأمنية والجيوش العربية لمواجهة أي خطر حقيقي يهدد الأمن العربي، ولكن نسمع بهم فقط في مواجهة المواطن العربي، فلم نسمع يومًا أن الجيش السوري تحرك للاشتباك مع المقاتلات الصهيونية التي تخترق الأجواء السورية ليل نهار وتنتهكها حتى من قبل أحداث الربيع العربي بكثير!، كذلك لم نسمع عن تحرك جيوش الخليج العربي لمواجهة التحرشات الإيرانية والاستفزازت العسكرية الإيرانية المتكررة لدول الخليج!

فملايين العرب شردتهم القذائف فقذفت بهم إلى أماكن بعيدة عن أوطانهم ومساكنهم، أو مخيمات أو إلى أحضان من يشترون نساءهم بأبخس الأثمان!، ولم يعد في استطاعة أحد توقع ما قد تؤول إليه تلك الأيام السوداء، فلقد نجح حكامنا العرب وبجدارة في وضع المواطن العربي بين سندان القبول بالفساد والظلم والأوضاع السيئة على كافة النواحى السياسية والاقتصادية والاجتماعية… إلخ، وبين مطرقة الاحتجاج السلمي، فترد الآلة الأمنية كعادتها بعنف فتتحول المطالب المشروعة لحرب أهلية!

كان أحد الفلاسفة في القرن الثامن عشر واسمه غبريل دو مابلي قد قال «إن الحروب الأهلية قد تكون في بعض الأحيان علاجًا شافيًا للمجتمع»، لكن أظن أنه لو رأى ما حدث ويحدث في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها لغيّر رأيه.

لقد قرأت بعض تعليقات القراء على رواية دون كيخوته، وتراوحت آرائهم بين كونها رواية نفسية أو رواية ساخرة، ولكن لكي أكون منصفًا فلو قُدر لكاتب أن يكتب أحوالنا العربية في رواية، فمن المؤكد أن الرواية العربية لن تتجاوزها أية رواية أخرى في كونها نفسية أو ساخرة أو حتى مهزلة بشرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد