«مؤلمة وصادقة عبارة أن التاريخ يعيد نفسه، ولنا أن نعدّل في صيغتها أننا نسعى جاهدين لإنتاج التاريخ حسب هوانا».

دون كيشوط.. والقضايا المقدّسة

===

ما أشد بؤس هذا الفارس، الذي يمتطي حماره ويتصور أنه حصان عربي أصيل،ويمتشق حسامًا من الخشب، ثم يتسلّح بدروع وهمية وينطلق على غير هوادة ليحارب أشباحًا يظنهم أعداء و هي في حقيقتها خيالات لأطلال عفا عليها الزمن.

«دون كيشوط» هو درة إبداعات «سيرفانتس» الروائي الإسباني، وصف ببراعة أدبية،أزمة البعض ممن فاتهم الزمن ويتمسكون بفروسية تجاوزها التاريخ.

ودون كيشوط رجل نحيف طويل ناهز الخمسين من العمر، بورجوازي متوسط الحال يعيش في إحدى قرى إسبانيا إبان القرن السادس عشر.

لم يتزوج «دون كيشوط» من كثرة قراءاته في كتب الفروسية، كاد يفقد عقله وينقطع ما بينه وبين الحياة الواقعية ثم يبلغ به الهوس حدًّا يجعله يفكر في أن يعيد دور الفرسان وذلك بمحاكاتهم والسير على نهجهم حين يضربون في الأرض ويخرجون، لكي ينشروا العدل وينصروا الضعفاء، ويدافعوا عن الأرامل واليتامى والمساكين.

«دون كيشوط» مثال حي على طغيان الوهم على الواقع، حيث كل منّا يمر بهذا المشهد الدرامي وإن لم يفطن إليه في يقظته صراحة حين يصحو من نومه ثم ينتعل شخصية مغايرة، يرتدي من الخارج دروعًا وهمية ثم يتسلّح بما شاء له، ينطلق في البرية مدافعًا عن قيم أو مبادئ أقرب لبضاعة يروّج لها.

لقد لمس الكاتب هنا وترًا حساسًا وجانبًا غامضًا لدى البشر، تلك اللحظة التي ربما يغيب فيها العقل ويرتد للماضي بحثًا عن قشة يتعلق بها وسعيًا وراء زهو أو فخر عفا عليه الزمن.

ذلك الشعور بالرغبة في الفعل، لكنه الفعل الخاطئ. الإيمان بالحقيقة دون أن يعي صاحبها أن ما يعتريه جنون مطبق، فما كان يصلح للأمس لا يمكن أن يكون نهجًا لحياة البشر الآن، ونقف أمام القصة مندهشين مما تحمل من جانب فلسفي عميق.

فهي تضغط بشدة جرحًا لم يندمل لدينا في الشرق بشكل عام وفي العالم العربي بشكل خاص، حينما ننسحب من الحاضر بعنفوانه ونلهث وراء ماض ولى واندثر، فنخلق لأنفسنا زعامات وهمية ندافع عنها ونسبغ على فعلنا وتصرفاتنا قداسة دينية وفي سبيلها لا مانع من إراقة الدماء فلكل قضية مقدسة ضحاياها وتكلفتها واجبة الدفع.

إن نظرت حولك بتمعّن ستجد بعثًا جديدًا ومستمرًا وبصورة يومية للفارس المغوار «دون كيشوط» تراه في تلك اللحظات الفارقة حينما تسيل الأمور بعد تماسك وصلابة، فتصبح الرخاوة عنوانا لمرحلة والعُنّة السياسية منهجًا سائدًا للتصدي للقضايا، لا يكون أمام البعض إلاّ الاستغراق في الحلم والبحث عن فارس جديد ولو نبشًا في بطون الكتب سعيًا وراء فتوى أو نبوءة تبرر سلوكهم أو تستقيم طريقتهم بها أو من خلالها.

عن حق أصبحنا شعوبًا تجيد المخاصمة للتاريخ والحاضر على السواء، تعيش على انتقائية فتختار لنفسها ما يحلو لها

لنصل في النهاية ليقين ثابت لا يتزعزع أن كل فرد بداخله بعض من صفات «دون كيشوط» تظهر في لحظات وتتوارى كثيرًا في الأعماق لكنها قائمة، تتحيّن الفرصة للظهور، فما أجمل أن تعيش وهم صفات فروسية ونبل، تعي بداخلك أنها ليست حقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد