يعيش العالم اليوم حالة من التردي الأمني والسياسي والاقتصادي، وكل ذلك عائد إلى لعبة الأمم وسيطرة القوي على الضعيف، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وخروج الدول منهكة من الحرب العالمية الثانية، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأولى في العالم أو «Super Power»، وهي الدولة التي كانت أرضها بمنأى عن الحروب والنزاعات الدولية. هكذا وبعدما تربعت أمريكا على عرش السلطة والقرار، أصبحت طموحاتها التوسعية تتنامى، ودخل العالم مرحلة جديدة، مرحلة تحقيق «الحلم الأمريكي» «American Dream».

نشرت الولايات المتحدة قواعدها العسكرية في العالم، والتي تطال اليوم ما يقارب 130 بلدًا، بالإضافة إلى سيطرتها على أهم المؤسسات ومراكز صنع القرار الدولية، وامتلاكها لحق النقض «VETO»، وبهذا أصبح العالم مقيدًا بسلاسل أمريكية لا يمكنه الخروج منها، وهو مخبر على تقديم الطاعة والولاء.

إلا أنه في بعض الأحيان «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن الأمريكية»، فحب السيطرة والتوسع ولَّد نقمة لدى بعض الجماعات والدول التي لم تلتزم، أو لا تريد الالتزام بالنظام الأمريكي الجديد؛ مما أدى إلى استخدام الولايات المتحدة القوة والنار لإسكات تلك الأصوات. الولايات المتحدة تريد العالم أكثر أمنًا، ولكن بالنسبة لها وبشروطها الخاصة، مما لا شك فيه أن «ظاهرة الإرهاب» مرفوضة ولا يمكن لأي إنسان عاقل أو دولة حكيمة أن تقبل بها، واتباع الولايات المتحدة سياسة «مكافحة الإرهاب» تعتبر من أهم وأبرز الخطوات الجيدة والمفيدة للأمن القومي والدولي، وهكذا ترسخت صورة أمريكا «الدولة القوية والأولى» في الأذهان، ولكن ما لم يكن في الحسبان هو أن بعض الدول الرافضة لهذا الوضع (مثل روسيا «خليفة الاتحاد السوفياي» والصين) والمحايدة (مثل الهند والبرازيل)، أخذت بالتطور والتقدم على كافة الصعد؛ الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وأصبحت تشكل خطرًا داهمًا على الولايات المتحدة من خلال توسع نفوذها في العالم، وإنشاء المؤسسات والشركات الموازية للمؤسسات الأمريكية.

أنفقت الولايات المتحدة مع حلفائها أموالًا هائلة على القوة العسكرية والحروب في العالم، وفي المحصلة أمريكا اليوم أضعف من قبل، والمشاكل الاقتصادية والسياسية تتزايد على الاتحاد الأوروبي؛ وفي المقابل محور جديد صاعد، يتجنب استعمال القوة إلا عند الحاجة، ويحاول السيطرة على العالم ولكن بطريقة سلمية أكثر. وقد زادت الوضع تعقيدًا موجة الخراب والدمار والثورات التي شهدتها بعض دول الشرق الأوسط، اتفق العالم على إنهاء الكثير من الثورات في المنطقة، إلا أن الثورة الأعنف والتي لم تنته بعد هي «الثورة السورية».

تعتبر الثورة السورية طريقة جديدة من الحروب وتصفية الحسابات «الحرب بالوكالة»، فهي حرب كونية شاركت فيها معظم القوى العظمى، وأصبحت اليوم رسالة من المحور الصاعد لإثبات الوجود، فروسيا تعلم أنها إذا خسرت الورقة السورية فلن يكون لها مكان من جديد في نادي القوى العظمى، لذلك نرى التدخل الروسي القوي والشرس في المعركة السورية.

أما من الطرف الآخر، فالاتحاد الأروربي لم يعد قادرًا على تحمل تداعيات هذه الحرب الهمجية على أرضه، من خلال توافد العدد الكبير من النازحين، والاضطرابات الأمنية الممتالية في أوروبا، والدول العربية أيضًا لم تعد قادرة على تحمل التداعيات الاقتصادية والاجتماعية. العالم كله يطالب المتجمع الدولي بإنهاء هذه الحرب، والدولة الأولى التي يجب أن تسعى لحل الأزمة هي الولايات المتحدة.

«دونالد ترامب» أصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، هذا الرئيس الذي ترك له «باراك أوباما» الكثير من الملفات الشائكة، ومن ضمن تلك الملفات «الملف السوري». عند تنصيبه أعلن ترامب أنه سوف يعمل لمصلحة الشعب الأمريكي وسيعيد الرخاء الاقتصادي للولايات المتحدة الأمريكية، وهو غير مستعد أن يستخدم القوة العسكرية من جديد. وبهذا فقد دخل العالم مرحلة جديدة من ضبط النفس، ووضع السلاح جانبًا، ومن الجدير ذكره إعلان ترامب استعداده التفاوض مع كل الأطراف السورية لإنهاء الأزمة ومحاربة الإرهاب، وبعد لقائه الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي»، أعاد التذكير بضرورة إنهاء الأزمة السورية، ومحاربة الإرهاب، واعتبار النظام السوري جزءًا من المعادلة من خلال التفاوض معه.

هذه الخطوة الجريئة من الولايات المتحدة وغير المسبوقة، تعتبر في نظر الطرف الآخر تراجعًا واستسلامًا للأمر الواقع، ورسالة للرئيس ترامب أن الولايات المتحدة يجب أن تتعامل مع دول العالم بندية وليس بفوقية؛ لأن الماضي قد مضى ويجب التطلع إلى المستقبل بناءً على معطيات الحاضر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد