نشاهد جميعًا الحملات المستمرة لجمع التبرعات، وما يلفت النظر هو اتساع رقعة التبرعات لتشمل قطاعات مختلفة «البنية التحتية والمرافق، الإسكان، الصحة، التعليم والبحث العلمي، الإنفاق الاجتماعي «مأكل وملبس» وما يزيد من عبثية المشهد هو دعوة السيد رئيس الجمهورية للتبرع لصالح دعم الاقتصاد الوطني، ولكن هذه الظاهرة «ظاهرة التبرعات» لها دلالات عميقة لا يجب أن تمر مرور الكرام، فهي تكشف أبعاد الدولة وأفق قدرتها، وبنية النظام الاجتماعي السياسي القائم ومدى فاعليته.

فحينما تُطلق الدعوة للتبرع في سبيل بناء مستشفى طبي، فهذا له دلالتان، الأولى هي وجود الحاجة لبناء هذه المستشفى نظرًا لزيادة عدد مرضى، أو بمعنى آخر نقص القدرة الاستيعابية لعدد المرضى من قبل المؤسسات العلاجية المتاحة، الدلالة الثانية هي عجز الدولة عن توفير العلاج لمواطنيها -وهذا يجعل من النص الدستوري الخاص بهذا الملف مُفرغ تمامًا من مضمونه- ومن هذا المنطلق، يمكن لنا أن نقرأ انتشار دعوات التبرع لكافة القطاعات الحيوية تقريبًا على أنه عجز تام للدولة على تحمل مسؤولية هذه القطاعات.

ولكن ما الذي كبل يد الدولة وأضعف قدراتها بهذا القدر؟ في حقيقة الأمر، الذي أوصل الدولة لهذا الوضع هو طبيعة النظام الاجتماعي السياسي الذي بدأ في التشكل من بعد حرب أكتوبر ومستمر حتى الظرف التاريخي الراهن، وهو اتباع النهج النيوليبرالي في الاقتصاد والاجتماع، وفي السياسة كدولة مُستعمَرة تدور في فلك قوى السيطرة الكبرى وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية، والذي ترتب على كل ذلك نقل قطاعات واسعة من تحت سيطرة الدولة إلى حيازة القطاع الخاص.

وتكتمل الصورة بالإجابة عن السؤال التالي، حملات التبرع هذه موجهة إلى من؟ ولماذا؟

عملية نقل قطاعات واسعة من سيطرة الدولة إلى حيازة القطاع الخاص، هي انعكاس لضخ الثروة الوطنية في اتجاه طبقة اجتماعية محددة تهيمن على النظام الاجتماعي السياسي كما هي ثمرته، حتى وصل الوضع إلى امتلاك هذه الطبقة التي لا تتعدى نسبتها ١٠٪ من إجمالي عدد الشعب على ثلاثة أرباع الثروة، فهذه هي الطبقة التي لديها الفائض من الثروة القادر على إحداث الفارق، ولذلك فهي المُستهدف الرئيسي من حملات الحث على التبرعات.

ولأن الدولة عاجزة، والنفوذ الحقيقي في يد النخبة الاجتماعية التي تمثل الطبقة العليا في البنيان الطبقي للمجتمع المصري، نشاهد حملات التسول بالمرض والفقر والجهل لحث تلك النخبة على المساهمة في تحسين الأوضاع العامة، والاستعانة ببعض نجوم النخبة الاجتماعية «من نخب فنية أو رياضية وغيرها» لمزيد من التسول والإلحاح على التبرع، ولا مانع من توظيف بعض الشيوخ والقساوسة ليباركوا عملية التبرع، ويضفوا قداسة ضمنية للبنية الطبقية التي جوعت الفقراء «الأغلبية» بتخمة الأغنياء «الأقلية».

ويبقى القرار عند عموم الجماهير، هل يُقبل مثل هذا النظام الاجتماعي السياسي الذي شكل هذه البنية الطبقية المشوهة -بحر من الفقر حول جزيرة من ثراء الفاحش- والتي تُعبر عن ظلم اجتماعي صارخ؟ وهل تُقبل هذه الدولة التي بعجزها فتحت السبيل ليتسول مواطنوها بفقرهم ومرضهم وجهلهم، الخدمات العلاجية والإسكان والتعليم… إلخ، ويتحول الحق إلى مطلب، والمطلب يتحور إلى التسول؟

ألا تعد رعاية رئيس الجمهورية -الذي أتى بعد ثورتين دوي فيهما صياح العدالة الاجتماعية- لصندوق تحيا مصر «التبرع لصالح دعم الاقتصاد» مؤشرًا على عجز الحكم، بدلًا من التسلح بالتفويض الشعبي الذي أتى به إلى سدة الحكم «الفوز بأغلبية ٩٦،٩١٪ من الأصوات» لاستخدام مشرط الجراح لإعادة توزيع الثروة الوطنية والقيام بثورة اجتماعية تعيد هندسة هذا البنيان الطبقي المشوه.

إن التبرعات ما هي إلا عرض جانبي لنظام اجتماعي سياسي كامل، ومهما كان حُسن نوايا الجهات التي تدفع باتجاه التبرعات، فهي تكشف الوجه القبيح لدولة عاجزة ونظام فاسد، طبقة عليا مستبدة بالثروة والسلطة في مقابل أغلبية مطحونة وطبقة وسطى مسحوقة، مجتمع السادة والعبيد، تحولت فيه الحقوق إلى مطالب، عبر عملية واسعة المدى من التجريف الاجتماعي بالإفقار الممنهج والدهس لكرامة الأغلبية من هذا الشعب.

لن يفوت الأوان على الثورة الاجتماعية، التي تبني دولة مختلفة، تكون لها اليد العليا في إدارة الشأن العام، عبر شروق شمس نظام اجتماعي سياسي آخر، يعيد بناء المجتمع على أسس ثقافية وطبقية جديدة، تصون حقوق مواطنيها، وترسي قواعد العدل الاجتماعي، بعد أن تزيح الثراء الفاسد والفقر المفسد، لتتقدم مصر العربية إلى المستقبل بالعدل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التبرعات
عرض التعليقات
تحميل المزيد