عندما تتخلى الدولة عن دورها في تنظيم شؤون الأفراد وتيسير سُبل الحياة الكريمة للمواطنين فإنها بذلك لا تزيح عن كاهلها ذلك الهم الثقيل ولكنها في المقابل تقفد مصداقيتها لدى المواطنين مما يضطرهم للاضطلاع بأمور لا يجيدونها على الإطلاق من أجل إجراءات معيشية أيسر بل ويمتد الأمر لتكون تلك الإجراءات أساسية للحفاظ على أرواحهم وأرواح ذويهم.

فعلى سبيل المثال، أصبح لزامًا عليك تعلم كيفية إطفاء الحرائق تحسبًا لتأخر سيارات الإطفاء وهو الاحتمال الأقرب. كما وجب عليك أيضًا النزول من سيارتك ومحاولة المساهمة في تنظيم المرور لأن رجل المرور أصبح لا يطيق ذلك الدور كل يوم في المسرحية الهزلية المسماة بمنظومة المرور تلك التي لم تنل من اسمها أي حظ أو نصيب. إلى جانب أن الإلمام بمهارات التفاوض سيجعلك مستعدًا للتفاوض مع سارقي سيارتك عندما يحين دورك. أصبح لزامًا على الأهالي أن يفضوا نزاعاتهم بأنفسهم أو ينهونها بطريقتهم ذلك أن شرطة النجدة لن تأتي قبل أن تسيل الدماء.

ستحتم عليك إنسانيتك أن تنبه الناس عن طريق وسائل الاتصال الاجتماعي بوجود يافطة على ارتفاع 4 أمتار في الطريق الصحراوي معرضة للسقوط على هذا الإنسان التْعس الذي شاءت أقداره أن يولد في حدود ذلك المليون كم مربع. وستقودك أيضًا أنت ومجموعة من أصدقائك لإنشاء صفحة على “فيس بوك” بعنوان “عشان لو جه مايتفاجئش” للتنبيه بمشاكل المستشفيات وحالتها المزرية وذلك بسبب غياب دور الدولة الرقابي على الخدمات التي تقدمها ذلك الغياب المقصود لعدم كشف العورات.

استمرار الدولة في التجاهل يدفع باتجاه عنوان واحد فقط لكل وجه من أوجه الحياة في مجتمعنا “ماشية أهالي” قد يشير هذا العنوان إلى مدى استعداد الأهالي للمشاركة والقيام بما لم تستطع فعله تلك الدولة العجوز ولكنه لا يشير إطلاقًا إلى جودة أو كفاءة تلك الأعمال.

سينفصل المواطن تدريجيًا عن ذلك الكيان الأكبر ولن تجد كلمات مثل “الانتماء – الواجب – …” ذلك الأثر الذي يتوقعه الوطن في نفوس الناس ومثلما لم تقم الدولة بواجبها تجاه المواطنين ستكون المعاملة بالمثل ولن تجد الدولة من المواطنين تجاهها إلا ما يُجبرون على أدائه.

ومن الجدير بالذكر أو المخزي بمعنى أصح أن الدولة ممثلة في رجالها لا يختلطون إطلاقًا مع المواطنين في نفس تلك المشاكل، فرجال الدولة في واد والناس في واد آخر، تلك الصورة التي قد تصل في مرحلة من مراحلها إلى يوتوبيا أحمد خالد توفيق.

قريبًا جدًا سيفقد الوطن رموزه “العلَم – النشيد – موسيقى النشيد – …” وستنضم هذه الرموز إلى القائمة الطويلة من مساحيق تجميل الوطنية تلك الأغاني المملة فاقدة المعنى التي تحثك على حب امرأة تكبرك بـ 30 عامًا على الأقل كان لهم ذلك الأثر الأكبر على التجاعيد التي يمتلئ بها وجهها.

تُعتبر الدولة بما يمثلها من أجهزة تنفيذية هي الذراع العملي الحقيقي للوطن وممثله على الأرض وعليه إدراك ذلك جيدًا، فإن أراد الوطن الحفاظ على ما تبقى له من انتماء داخل نفوس المواطنين فعليه استبدال ذلك الذراع العملي العاجز في أقرب وقت ممكن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد