تخيل معي أنك ممسك بجهاز التحكم بالتلفاز وتتنقل بين القنوات، فوجدت في التلفاز أكثر فيلمين تحبهما على الإطلاق، تحبهما بنفس الدرجة والكيفية، ولا يمكنك إلا اختيار أحدهما فقط، هل ستتمكن من تفضيل أحدهما على الآخر؟

 
الحمار، ذلك الحيوان الأليف الذي لا غنى عنه. نال شهرة واسعة أولًا لكونه المساعد الأول للانسان منذ قديم الأزل في أعمال الحمل والنقل. وكذلك اكتسب الحمار شعبية واسعة لكثرة ما نُشر عنه من قصص ونوادر مسلية ومضحكة، حتى أنه أصبح مثلا في الغباء، وسُبة ننعت بها بعضنا البعض. وفي الحقيقة الحمار ليس غبيًّا، هو فقط صبور، صبور جدًّا، والصبر يبدو دائمًا غباءً وجبنًا!
ولأنه حيوان ذو شعبية، فنجد أن سيرته تملأ التراث الإنساني، بين الأمثال والحكم، وبين القصص والحكايات، حتى اشتهر الكثير من الحَمير، كحمار جحا، وحمار الحكيم توما، أو كالحمار بينيامين “في رواية مزرعة الحيوان لجورج أورويل”، وحمار دورمينت “في مسرحية قضية ظل الحمار”.

 

 
لنكن أكثر دقة، سنستعرض هنا قصة واحد من هؤلاء الحَمير الذين اشتهروا في التاريخ، وبسمعة سيئة! ألا وهو حمار بوريدان. جان بوريدان هو كاهن وفيلسوف فرنسي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي، كان بوريدان مهتمًّا بدراسة سلوك الإنسان، وبالتحديد مهتمًّا بمسألة الدوافع التي تحرك الكائن الحي، وتدفعه لما يقوم به من أفعال، وتحدد ما يفضله من اختيارات.

في دراسته افترض بوريدان تجربة نظرية تقول بأنه منع عن حماره الأكل والشرب لفترة كبيرة، بحيث اشتد بحماره الجوع والعطش، ثم قام بعد ذلك بإحضار إناء به ماء وآخر به طعام، وقام بوضعهما أمام الحمار بحيث يكون الطعام والشراب على مسافة متساوية من الحمار، فإن الحمار ولأن جوعه مساوٍ لعطشه بقي مترددًا بين الأكل والشرب لا يستطيع اختيار أي منهما وتفضيله على حساب الآخر. والنتيجة أن حمار بوريدان مات! مات مرتان.. جوعًا وعطشًا.

 

 
ولو أن حمار بوريدان قد فضّل أحد الاختيارين على الآخر لكان نجا بنفسه، ولكنه مات لأنه بقي مترددًا غير قادر على الاختيار أو التضحية بأمر من أجل الآخر.

 

 
في واقع الأمر هذه التجربة شهيرة في دراسة موضوع “حرية الإرادة- Free will”. فتلك التجربة افترضت أن الحمار لأنه بلا عقل فهو بلا إرادة، وبالتالي إذا استوت دوافعه، وأصبحت كل الاختيارات أمامه متشابهة، فلن يستطيع أن يفضل أي اختيار على آخر، والنتيجة أنه لن يختار شيئًا وسيموت.

 

 
على الرغم من ذلك، ولأن الانسان يخشى دائما الخسارة، ويخشى القادم المجهول الذي لا يعرفه، فهو دائم الوقوع في الحيرة، يفكّر فيما سيخسره لو فضّل هذا على ذاك، فيميل إلى المقارنة ويغرق في التردد، والنتيجة أنه أحيانا يختار “أي حاجة” بلا وعي أو إدراك، أو ربما لا يختار شيئًا على الإطلاق في أحيان أخرى، فيخسر بذلك كل شيء كما خسر حمار بوريدان حياته!

إلا أن حمار بوريدان كان بلا عقل، فافتقد الإرادة الحرة، فعجز عن الاختيار، أما الإنسان فله عقل وإرادة لذلك فهو مكلف ومسؤول! وما دام مسؤولًا فإنه في كل لحظة عليه أن يختار ويدفع باقي الاختيارات ثمنًا لما اختاره ويكون مسؤولًا عنه!

 

 

 
لكن للأسف الحقيقة تنصف الحمار وتدين الإنسان! فالواقع يقول أن تجربة حمار بوريدان لم تكن سوى تجربة افتراضية لم تحدث، أما الذي يحدث فعلًا كل يوم هو أن إنسانًا ما يعجز عن اختيار ما فيخسر شيئًا في حياته نتيجة لذلك العجز.

والآن ما عليك إلا أن تعود إلى سؤالي الذي طرحته في البداية وتحدد ستضحي بمتعة مشاهدة أي الفيلمين حتى تنعم بمتعة مشاهدة الآخر، وإلا.. ستخسر المتعتين معًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد