الفنانة الجميلة «ليلى فوزي» لها فيلم نمطي جدًّا كباقي أفلامها، أو كمعظم أفلام تلك الفترة التي تتحدث عن قصة حب بالصدفة بين البطل الفقير وبنت الباشا، الفيلم هو «خبر أبيض»، يحكي عن بائع جزار «كارم محمود» فقير يكسب في «اللوتارية» سحبًا على سيارة كاديلاك موديل السنة، وعندما يذهب ليستلمها مع جمع من الأصدقاء و«أهل الحتة» يفاجأ الجميع أنهم لا يعرفون «السواقة» وفي مشهد كاريكاتوري يخرج عبد الفتاح القصري بالحل وهو أن يتصل بأحد الأصدقاء ليأتي «بحمارين» ليسحبوا العربية «الكاديلاك»!

لا أعرف لماذا يستدعي العقل الباطن لديّ هذا المشهد عند محاولتي تحليل أي شيء أو خبر أو قرار تتخذه الحكومة والرئيس، ربما للتشابه بين عبد الفتاح في الفيلم والسياسة في مصر، بالرغم من إعجابي الشديد بـ«القصري» لأنه يضحكني على الأقل، تتأرجح الدولة المصرية منذ 2005 وهي بداية انهيار مبارك بالمناسبة، عندما فقد جهازه السياسي فعاليته تحت خطر التقدم في العمر، أو ما يسمونه الخرف السياسي.

قد تتفق أو تختلف مع عبد الناصر ولكنه كان يمتلك مشروعًا للحكم بأطر سياسية محددة واقتصادية واجتماعية بل وثقافية أيضًا، وأيضًا السادات كان يمتلك مشروعًا بنفس تلك الهيكليات، مبارك منذ صعوده للكرسي لم يمتلك شيئًا حتى أن صعوده كان بمثابة المفاجأة للجيل الستيني، فهم لم يقدروا على تحمل فرصة أن يكون ذلك «الأهبل» في سدة الحكم، ولكن الرجل كما يقولون في الأمثال «أثبت كفاءة» وخاصة في القمع السياسي، فتراجع الناصريون في عهده ليأخذوا صفة… ومن خاف سلم، كان مبارك وأمن الدولة لديه مخيفًا فعلا للمعارضين، أتذكر كلمات أحد الصحفيين حينما كان يقوم بحوار مع «نظيف» بعد الثورة قال له نحن لا نعرف معلومات عن أي شيء إلا بقدر ما يتيحه أمن الدولة لنا، كانت تلك الشمولية الخفيفة تحت غطاء انتخابات مزورة وانحيازات اجتماعية غير واضحة المعالم بالنسبة لعامة الشعب، استمر مبارك ثلاثين عامًا في الحكم.

بنظرة أكثر عمقًا على السياسة في مصر، وإن أتيح لنا استخدام كل من المشهد السينمائي السابق ومصطلحات العلوم السياسية المعقدة، فالمشهد يعبر عن مصطلح سياسي اجتماعي يتأرجح بين «الحداثة الشكلية، الحداثة الانعكاسية» وهذا في مصر عندنا هي المشكلة الكبرى، يمكن أن نلخص الحداثة الشكلية في أنها محاولات تحديث اجتماعي ليست على أساس نقد الفكر العام الرجعي في المجتمعات، بمعنى آخر هي محاولات تحديث الدولة لا العقل الجمعي للمجتمع وهي الطامة الكبرى.

أما الحداثة الانعكاسية، فهو مصطلح استخدم بعد انهيار تجارب الدول النامية في التنمية المستقلة ووقوعها فريسة لسيطرة اليمين بجناحيه العسكري والديني، بمعنى آخر وقوع العقل الجمعي لتلك الدول بعد انهيار أشباه المشاريع الحداثية «مثل التجربة الناصرية» في شرك خطاب رجعي للإسلام السياسي كما في مصر أو للشعبوية اليمينية كما في تونس.

والتي يمكن من خلالها تفسير جميع مظاهر التخلف التي نقبع بها منذ ظهور المصطلح وحتى الآن، فنحن لم نعرف تقدمًا، حتى محاولات الخروج من التخلف باءت بالفشل أو وقعت ضحية لانحيازات اجتماعية عليا للطبقة الإقطاعية فيما بعد محمد علي، وللبرجوزاية في المشروع الناصري، وللرأسمالية الطفيلية في مشروع السادات، وبالطبع نحو رجال الأعمال في خرف مبارك السلطوي.

المركزية الشديدة التي تتمتع بها مصر بمساعدة جهازها الإداري تتيح لأي شخص بلا أي شيء ولا أي مؤهل سوى أنه عسكري في الصعود لسدة الحكم، لا أحد يمتلك مشاريع للتنمية ولا مشاريع للتحديث، كما أسلفت فكل محاولات التحديث باءت بالفشل، كل يعمل – لو عمل – على الحداثة الشكلية ويحاول الوصول إليها بمعدلات النمو الاقتصادي الذي بالمناسبة لم يكن مرتفعًا حتى ولو 7% في بلد يمتلك 90 مليون مواطن ومعدلات بطالة لا أحد يعرف أين وصلت!

تماما كما الحمار يجر «الكاديلاك» نحن نسير، بلا أي رؤية الآن للمرحلة القادمة أصبحت فوضى التصريحات، بلا أي محاولة جادة لإصلاحات حداثية فعلا، ومن يعرف ألف باء حداثة يعرف أنها حداثة العقل وليست حداثة الشكل والمباني ووسائل الإنتاج، حتى نحن فقدنا تلك الحداثة الشكلية كما أسلفت تحت سطوة العسكر والإسلام السياسي بخطاباتهم الرجعية، لم نعد ننتج شيئا أو نصدر شيئا، حتى ذلك الحس الجمالي الذي امتلكته القاهرة الفاطمية أو القاهرة الخديوية هبط تحت بؤس وقبح تلك الكتل الإسمنتية التي بنتها الدولة والقطاع الخاص. لم نعد ندرك أي حس جمالي في أي شيء.

لعل محاولات التخلص من تلك السلطوية الشديدة التي قادتها قطاعات كبيرة من الشباب في الثورة كانت بارقة أمل في طريقنا نحو الحداثة الصحيحة بالمعنى الكامل للكلمة، ولكن ما لبثت تلك المحاولات أن وقعت فريسة للاستقطاب السياسي الحاد وسوء إدارة للمعركة السياسية على أرضية من كسب الدعم الشعبي لتلك التيارات الثورية، وهو ما جعل العامل الأقوى في السلطة السياسية في مصر وهو الجيش يتدخل لحسم الصراع، تحت خطاب أكثر رجعية مما قدمه الإسلام السياسي، ولكن يجد في الشعبوية القومية التي يتمتع بها القائد والزعيم ملاذا آمنًا من أي خطاب آخر تقدمي، فالتقدمية والخطابات الحداثية الآن إما تلقى في السجون أو لا تسمع بالأساس، لا أعرف بالتحديد أين يكمن الأمل وإلا «والله» كنت حدثتكم عنه، وكما أحب أحاديث التفاؤل والتنمية البشرية ولكن للأسف لا يوجد أمل طالما استمرت تلك المشاريع للحداثة الانعاكسية في السلطة سواء كانت «بيادة» أو «ذقنًا» وربما يحمل هذا الجيل الشاب ذلك المشروع. في النهاية نتمنى أن يترك الحمار السيارة «الكاديلاك» لتسير وحدها، فهي خلقت لتسير وحدها لا أن يجرها حمارٌ! وهذا ليس انتقاصًا من الحمار «لا سمح الله» وإنما تفكير عقلي لا أكثر ولا أقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد