من المصائب الكبيرة التي تُهدد بنيان الأمة وتهز أركانه، تلك المصيبة التي ابتلينا بها في السنوات الماضية، إنها جريمة تُرْتكب يوميًا في حق هذه الأمة.

جريمة تولى كِبْرها، أولئك الذين أطلقوا على أنفسهم، الإخوان المسلمين، بعد أن وصلوا إلى الحكم وأضاعوه بسذاجة عجيبة، وفي ذلك تأكيد على إصابتهم بالخواء السياسي على مدار تاريخهم.

لقد وقع هؤلاء في شُبهة عظيمة، فباسم الدين وباسم الدفاع عن الحق، تباروا بعد أحداث الثالث من يوليو (تموز) 2013، في توزيع التهم المُعلَّبة على كل من خالفهم من المسلمين في كل مكان، حتى إن علماء الأمة لم يسلموا من ألسنتهم، وهم أصحاب الفضل في مجال الدعوة، وأصحاب الفضل عليهم في تأييد الناس لهم وقت إجراء الانتخابات المختلفة التي نتجت عن ثورة يناير، لقد تبارى هؤلاء في وصف العلماء بالمنافقين والكذابين والعملاء والخونة، إلى آخر ما يستحلون به غيرهم، لم يتورعوا ولم يخجلوا من رمي علماء الدين، في دينهم، وهذا فقط لأنهم خالفوهم، ولقد كانوا يقدسونهم وقت أن وافقوهم، إنهم لا يحفظون جميل أحد ساندهم من قبل ثم اختلف معهم. وإن في فعالهم وأقوالهم هذه إهدار لهذه الأمة، وأيضًا في فعالهم تلك بيان لعقيدتهم.

لم تتورع تلك الجماعة عن رمي المسلمين وشتمهم ووصفهم بأفظع وأشنع الألفاظ والصفات التي تربوا عليها، وما كانوا يفعلون ذلك علانية من قبل، لأنه لم تكن هناك فرصة، وأيضًا من باب التقية، فظل نخرهم في عماد الأمة من إبداعهم السري.

لقد وصل الأمر بهؤلاء برمي بعض المخالفين لهم بالكفر، بل إنهم لا يترددون في إظهار الشماتة في كل نائبة تحل بالبلاد والعباد، بل إن شماتتهم هذه وصلت إلى كل شيء حتى في الموت والابتلاءات، حينما يكون أصحابها من المخالفين لهم، ولو تعرض أحدهم لذلك نسبوا الأمر كله للإيمان، ولو أن هذا النظام القائم انقلب على بعض رجاله ممن ساندوه، تراهم جميعًا يرددون بلسان حالهم ومقالهم: من أعان ظالما سَلَّطه الله عليه. بل إنهم يقولون ذلك للشعب نفسه، وذلك لإصابتهم بصدمة مدوية، جعلتهم يعتقدون أن الشعب هو الذي جاء بالسيسي.

وأقول، ربما لا تنطبق هذه المقولة (من أعان ظالمًا سلطه الله عليه) على حال أي شريحة من شرائح المسلمين في كل مكان، مثلما تنطبق على أحوالهم، وذلك من واقع عقودهم العجاف التي لا تتضمن إنجازًا سياسيًا واحدًا، فهم جماعة محلك رابح، أي محلك سر، كما قال ذلك عنهم الشيخ الألباني رحمه الله، وفي هذه المقالة سوف يتضح أنهم ما كانوا إلا أعوانًا للظالمين ضد هذا الشعب، وذلك حتى يتبين أن هؤلاء لا يعقلون، وأنهم يرمون الأمة بما هم فيه غارقون.

في خمسينيات القرن الماضي، حينما أراد الضباط الأحرار، الإطاحة بملك مصر، اختاروا اللواء محمد نجيب صاحب الرتبة الكبيرة في الجيش وقتئذ ليكون واجهة عسكرية شعبية. وبالفعل تمت الإطاحة بالملك فاروق، غير أن اللواء نجيب لم يَسلم بعد ذلك، فكانت الإطاحة به أيضًا مع تحديد إقامته. فهل يمكن لنا أن نقول، إن نجيب أعان الضباط الأحرار ضد الملك، ثم انقلبوا عليه؟. فمن أعان ظالمًا سلطه الله عليه؟.

ثم، لقد أراد الضباط الأحرار أن يصبغوا المهمة بالصبغة الشعبية الثورية، فاستعانوا بجماعة الإخوان حتى يخرج أعضاؤها إلى الشوارع والميادين، وبعد إنجاز مهمتهم انقلب ناصر عليهم مستغلًا حادث المنشية الذي شهدته محافظة الإسكندرية في أكتوبر (تشرين الأول) 1954، فبدأ ناصر رحلة التنكيل بهم، حتى صاروا ما بين مُتحفَّظٍ عليه داخل السجون والمعتقلات وما بين هارب خارج البلاد، وظل ذلك كذلك حتى رحل عبد الناصر. فهل لنا أن نقول، إنهم أعانوا الضباط الأحرار على الملك، فسلط الله عليهم الضباط الأحرار؟. فمن أعان ظالمًا سلطه الله عليه. ولكنها البغال في مرابط السياسة، ولقد امتطاها عبد الناصر ومن معه للخلاص من الملك والوصول إلى الحكم.

ثم جاء السادات، الذي ظل متحفظًا عليهم داخل السجون والمعتقلات، حتى حارب وانتصر، وحينما اقتضت الضرورة إخراجهم، أخرجهم لمواجهة خصومه، الذين كانوا أيضا خصومًا للجماعات الإسلامية، داخل الجامعات وغيرها، فخلال تلك الفترة كانت قد خرجت من عباءة الإخوان جماعات وفصائل أخرى، فقاموا باغتيال السادات في أكتوبر1981. فهل لنا أن نقول، إن السادات أعانهم على خصومهم، فسلطهم الله عليه فقتلوه؟. فمن أعان ظالمًا سلطه الله عليه، وهذا الرد انطلاقًا من مبدئهم وكلامهم الذي يرددونه ولا يعقلونه. لكنها البغال في مرابط السياسة، ولقد امتطاها السادات محاولا الخلاص من خصومه.

رحل السادات وجاء عصر مبارك، وها هم لا يتورعون عن عقد الصفقات المشبوهة مع الأجهزة الأمنية، فكانوا يخرجون في مسيرات تجوب الشوارع بعدما يُصرِّح لهم الأمن بذلك، وكانوا يخوضون الانتخابات ويحققون المكاسب بترتيب مع نظام مبارك، وهذا ما قاله المرشد الراحل محمد مهدي عاكف في حوار أجرته معه المصري اليوم، حينما سُئل عن الصفقات مع نظام مبارك، وقد كانوا يصدِّرون للناس أنهم يتحدون النظام وأمن الدولة، وما كان الأمر إلا عقد اتفاقات رخيصة تحقق لهم مكاسب شخصية. ولنتدبر هذا الأمر البشع، كانوا يعقدون الصفقات مع أمن الدولة بل ومع النظام، ثم يرمون غيرهم بتهمة العمالة لأمن الدولة والنظام!، أي رُخْصٍ وأي دِينٍ هذا؟!، بل إن كبيرهم، وصف مبارك بأنه والد لكل المصريين، ثم هم الذين رمَوه بالفساد بعد ذلك، وأقول، وهل والد المصريين فاسد؟، أعلم أن وصفه وصف معنوي، وأيضًا التساؤل معنوي.

ولما خرج الشعب المصري على مبارك في يناير2011 (كانون الثاني)، ها هم ينقسمون إلى فريقين، فريق في التحرير بين الناس، وفريق آخر ذهب في الظلام، ليتفاوض مع الراحل اللواء عمر سلمان، من أجل تحقيق مكاسب ضيقة تخص الجماعة في مقابل الانصراف من الميادين، وهذا الفعل يُعدُّ غدرًا لجميع الأطراف، بما فيهم النظام وقتئذ والشعب والقوى السياسية. وهذه الحادثة ذكرها هيثم أبو خليل، مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان، أحد القيادات المنشقة عن الجماعة، في استقالته التي تقدم بها في مارس (آذار) 2011.

وفي النهاية اختاروا الانضمام للشعب الذي كان صاحب الكفة الراجحة وقتئذ. فهل لنا أن نقول، إن مبارك عقد معهم الصفقات لتحقيق مصالحهم، في مقابل الفساد والإفساد في حق الشعب ثم انقلبوا عليه؟ فمن أعان ظالمًا سلطه الله عليه. لكنها البغال في مرابط السياسة، ولقد امتطاها مبارك ليصل إلى حكم مصر، ثم ليستقر مُلْكُه ثلاثين سنة متذرعًا بإرهابهم.

وصلوا إلى الحكم، وها هم استعانوا بعبد الفتاح السيسي، الذي ظنوا أنه منهم، وعلى هذا الأساس اختاروه وزيرًا للدفاع، ولقد أنزلوه منازل الأبرار، حتى تكون قوة الجيش في يدهم، وبعد عام تقريبًا عادوا لما كانوا عليه في عهد ناصر، فما بين متحفظ عليه داخل السجون والمعتقلات، وما بين هارب، وما بين طليق يُفرِّغ سمومه داخل المجتمع. فهل لنا أن نقول، إنهم أعانوا السيسي فسلطه الله عليهم؟ فمن أعان ظالمًا سلطه الله عليه. لكنها البغال في مرابط السياسة، ولقد امتطاها السيسي حتى يصل إلى الحكم.

وأختم بقولي: تلك البغال يمتطيها كل رائحٍ وغادٍ في طريق الحكم وما ينبغي له، والعجيب، أنهم هم مَن يدفعون تكلفة الرحلة ذهابًا وإيابًا، لمن يمتطيهم!

لذلك أجدد الدعوة بضرورة تفكيك تلك الفصائل التي تُعد أحد أهم أسباب المذلة التي وصلت إليها مصر والأمة. وليحمل الشعب كله قضاياه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد