في أبريل (نيسان) من كل عام، تقوم الدنيا ولا تقعد في الإعلام الغربي الذي يسيطر عليه اليهود بسبب ما يُسمَّى بمجزرة الأرمن على يد الدولة العثمانية في عام 1915. ولدى وسائل الإعلام الصهيونية من الصور التي ربما تكون حقيقية لقتلى الأرمن من رجال ونساء وأطفال. ولكن هل هذه الصور هي كل الحكاية؟ فبالتأكيد هناك صور ربما لمئات أو حتى لآلاف، ولكن ألا يمكن أن يكون هناك قتلى من الطرف الآخر أضعاف هذا العدد؟ والأهم من قام فعلًا بالمجزرة؟

ما جعلني أبحث عن موضوع ما يُسمَّى بهولوكوست الأرمن هو تأكيد الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، الذي جاء بانتخابات شابها الكثير من القيل والقال، بصحة ارتكاب العثمانيين للمجزرة رغم طلب الحكومة التركية النقاش في هذا الموضوع، وفتح الأرشيف العثماني لدحض هذه الفرية. إلا أن المذنب يخشى الحقيقة، فيرفضون.

بلا إطالة، وجدت ما قد يؤدي للحقيقة ويرفع الاتهام غير المنطقي عن العثمانيين. فالذين استقبلوا من 150 ألفًا إلى مليون ونصف يهودي (الدونمة) وأكرموهم ووثقوا فيهم، لِمَ يقتلون جيرانهم الأرمن؟ ولكن لنسأل لماذا قُتل الأرمن؟ إذا عُرف السبب بطل العجب.

كتب الكاتب والصحافي الاستقصائي الأمريكي واين مادسين Wayne Madsen (1954-….) في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2011 مقالاً من جزأين تحت عنوان «الدونمة: سر الشرق الأوسط الأكثر همسًا»، يذكر في الجزء الأول لجوء اليهود السفارديم وهروبهم من إسبانيا إلى تركيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر بسبب محاكم التفتيش سيئة السمعة. ويشرح الصحافي مادسين كيف أن معظم هؤلاء اليهود اعتنقوا نوعًا من الإسلام الصوفي ومزجوه بشيء من القبالة اليهودية، وشكَّلوا طائفة جديدة بزعامة شبتاي (سبتاي) زئيفي Shabbatai Zevi (1626-1676) الذي كان يعتقد أنه «المخلص Messiah» والذي أُجبر بعدها، كما يقول مادسين، على اعتناق الإسلام من قبل السلطان محمد الرابع. ناصرت طائفة زئيفي العلمانية التركية بعد انهيار الدولة العثمانية. وعرفت هذه الطائفة في تركيا بيهود الدونمة: وبالرغم من إسلامهم الظاهر، فإنهم كانوا يؤدون طقوسهم اليهودية سرًّا ويعملون ضد الدولة العثمانية لتقويضها.

صعود الدونمة إلى السلطة في تركيا

يقول واين مادسين إن اليهود الهاربون من إسبانيا قد تجمّعوا في سالونيك الخاضعة للدولة العثمانية، وأسسوا جمعية «تركيا الفتاة» السرية (Young Turks) وتُسمَّى أيضًا «جمعية الاتحاد والترقي» وهي جمعية علمانية ضمّت المتطرفين القوميين والعلمانيين ثم يهود الدونمة. وبعد أن قويت شوكتهم بأن أصبحوا من السياسيين ورجال الأعمال، عملت هذه الجمعية على تشويه سمعة السلطان عبد الحميد الثاني لرفضه مقابلة الصهيوني تيودور هرتزل ورفضه قبول رشوة منه للتنازل عن القدس.

وبعد عودة سالونيك للسيادة اليونانية عام 1913، لم يستطع الكثيرون من يهود الدونمة العودة إلى وضعهم كيهود حقيقيين بعد إسلامهم المزعوم، فانتقلوا إلى إسطنبول، وبورصة، وإزمير، وأنقرة التي ستصبح العاصمة فيما بعد ومقرًّا لسلطة «الأرغينيكون Ergenekon»، وهي منظمة سرية للمتطرفين القوميين العلمانيين المرتبطة بقوى الجيش والأمن. إذن أصبحت الفرصة مواتية للدونمة القادمين من سالونيك للتغلغل في كل أجنحة الدولة بلا استثناء وأصبحوا ضمن سلطة «الأرغينيكين» ـ أي «الدولة العميقة». وكان أشهرهم توفيق روستو آراك، الذي أصبح صديقًا مقربًا ومستشارًا لأتاتورك، ثم وزيرًا لخارجيته من عام 1925 إلى عام 1938.

تركيا الحديثة: دولة صهيونية سرية تسيطر عليها الدونمة

ويتابع مادسين أنه حسب مقال في صحيفة «The Forward»، الصحيفة الأمريكية اليومية التي تخاطب اليهود الأمريكان، بتاريخ 8 مايو (أيار) 2007، فإن القيادة التركية أصبحت بمعظمها إن لم يكن جميعها بيد يهود الدونمة، حيث سيطروا على الوظائف القيادية لدبلوماسية الدولة، والمراكز القيادية في الجيش والأمن، ولم تكن الساحة الأكاديمية، والثقافية، ومجال الأعمال والاقتصاد استثناءً. باختصار، سيطر يهود الدونمة على مفاصل الدولة التركية بالكامل. وهذا ما مكَّنها من القيام بكل أعمال الدولة مهما كانت سواء لصالح الشعب أو عكس مصالحه.

مجزرة الأرمن والآشوريين

يؤكِّد الصحفي واين مادسين أن ضابطًا في الاستخبارات العثمانية يُدعى أحمد رفيق، ذكر أن بعضًا من قيادات الدونمة و«تركيا الفتاة» ارتكبوا المجزرة ضد الأرمن فقط لأنهم مسيحيون. كما قام شباب تركيا الفتاة بطرد المسيحيين الأرثوذوكس اليونانيين من المدن التركية، وحاولوا تنفيذ مجزرة أخرى على نطاق أضيق ضد الآشوريين لأن معظمهم كانوا مسيحيين.

أما المرتزق الفنزويلي، رافائيل دي نوغاليس مينديز، الذي كان يخدم في الجيش العثماني فقد ذكر في سجلّاته أن أحد شباب «تركيا الفتاة» في سالونيك واسمه محمد طلعت، والمعروف باسم «عبري سالونيك المرتد»، هو من ارتكب مجزرة الأرمن والآشوريين. ويضيف مادسين أن بعض مؤرخي المجزرة يعتقدون أن يهود الدونمة كانوا يكرهون الأرمن لأنهم رجال أعمال ناجحون، وعليه فهم منافسون محتملون لهم.

ثم إننا لم نلاحظ أي حماسة من قبل إسرائيل وداعميها الغربيين لفتح تحقيق في المجزرة العثمانية المكذوبة ضد الأرمن، بما فيها فتح أرشيف الدولة العثمانية، وهذا يثير شكوكًا قوية تدعم ما كتبه مادسين حول مسؤولية يهود الدونمة و«تركيا الفتاة» عن المجزرة. وليس هذا فحسب، بل إن التحقيقات، كما يقول مادسين، ستكشف تورُّط يهود الدونمة بتخريب العادات والتقاليد الإسلامية في تركيا. فالتحقيق، إن جرى، سيكشف واقعًا جديدًا وحقيقة غابت لأكثر من قرن عن العالم. وعندها كيف سيكون موقف شعوب الغرب المسيحي من يهود الدونمة خصوصًا وكل يهود العالم عموماً لخيانتهم وغدرهم بالمسيحيين وقتلهم مئات الآلاف من الأرمن والآشوريين المسيحيين، وطرد الآلاف من الأرثوذوكس من تركيا إلى اليونان؟ والمسيحيون يعلمون أنهم هم من ساند اليهود وقدموا لهم كل المساعدات السياسية، والعسكرية، والاقتصادية لإنشاء إسرائيل في فلسطين.

ويذكِّرنا مادسين بحادثة سفينة المساعدات الإنسانية التركية إلى غزة «مافي مرمرة» في 31 مايو عام 2010، وأن العدوان الإسرائيلي الوحشي عليها لم يكن بسبب محاولة السفينة كسر الحصار على غزة أبدًا، بل انتقامًا من حملة الحكومة التركية على «الأرغينيكون» لتطهير الجيش التركي والمخابرات التركية من أصحاب الرتب العالية والصحافيين والأكاديميين الذين حاولوا الانقلاب على حكومة حزب العدالة والتنمية (AKP) عام 2003.

هذا ولم أتطرق إلى كل ما جاء في مقالة واين مادسين، فهناك كلام قد يعده البعض خطيرًا، أو غير مناسب ومحرج للبعض فتركته.

وهنا أذكِّر وأشير إلى أن اليهود لا يحبون أحدًا على الإطلاق حتى الذين ساعدوهم وأنقذوهم من محاكم التفتيش الأوربية باستقبالهم في بلادهم. وأؤكد أنهم يكرهون المسيحيين كما يكرهون المسلمين، بل أعتقد شخصيًا أن كرههم للمسيحيين أشد وأمر من كرههم للمسلمين. ومن يعيش سيرى أن الأسلحة النووية الإسرائيلية موجهة إلى أوروبا بالدرجة الأولى، وليس إلى البلاد العربية أو الإسلامية!

وأضيف أن كثيراً من يهود الدونمة انتقلوا من الأراضي التركية إلى دول الجوار في الإقليم المجاور لتركيا حيث كان معظم الإقليم يتبع للدولة العثمانية. وهناك فعلوا ويفعلون كما فعلوا في تركيا ولكن بأساليب مناسبة لطبيعة المجتمع في الدول التي انتقلوا إليها واستوطنوا فيها. سيتفاجأ الجميع قريبًا من العدد الكبير لليهود في إقليمنا العربي! كانت هناك عقبة كأداء فتخلصوا منها عام 2003، فخلا الجو لشذَّاذ الآفاق- خلا لك الجو فبيضي واصفري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد