عن تلك المكالمة التي تأتيك من رقم صديق قديم، وتبدأ المكالمة وتنتهي دون توضيح سبب المكالمة، نعم، فقد كانت المكالمة فقط من أجل الاطمئنان عليك، وترك رسالة مفادها “أنا هُنا وأتذكرك ورغبت فقط في سماع صوتك”.

 

نعلم جيداً أن كل منا هومركز الكون بالنسبة لنفسه، وكل منا يرى نفسه أحق بالسؤال والاهتمام، ولكن كم سيكلفك سؤالٌ ربما لم يستغرق أكثر من دقائق معدودة؟ ماذا لوبحثت في أسماء أصدقاء قدامى مُخزنة أرقامهم في ذاكرة هاتفك وقررت أن تقوم بالاتصال بأحدهم فقط لتقول له “كيف حالك؟”، فقط ضع نفسك في هذا المكان، مكان مُستقبل المكالمة، أولم يسعدك هذا؟

ماذا لوأرسلت كل عدة أيام رسالة لأحد الموجودين على قائمة أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي فقط لتطمئن عليهم، أم هل أصبحت قائمة الأصدقاء عداداً لإظهار مدى شهرتك وأن عدد أصدقائك بالمئات، بينما في الحقيقة أنت لا تتحدث مع أكثر من خمسة إلى عشرة أشخاص منهم بصفة دورية ولا تعلم شيئاً عن الآخرين سوى تلك المشاركات التي يلقونها في الفضاء الإلكتروني! وربما تجد نفسك بعد إضافة أحدهم بفترة، تلقاه مصادفة في مكان ما ولا يصافح أحدكما الآخر!

 

دع عنك الخجل وادعاء الانشغال وضيق الوقت، فربما إبداء اهتمامك بأحدهم يأتي في لحظة حالكة الظلام من يومه وتكون سبباً في إزاحة هم وإدخال السرور على قلبه، ليس أحدٌ منا بمنأى عن الأحداث العامة التي تحيط بنا والإحباطات التي نواجهها، لا أتكلم هنا عن الإحباطات التي يواجهها كل منا في حياته بصفة خاصة من عمل وأسرة وهذه الأشياء الخاصة، ولكن أتكلم بصفة أكثر عمومية، كلنا معرضون لإحباط بسبب ما يمر به عالمنا من ضعف وهوان، يعاني أغلبنا من فئة الشباب من الشعور بالعجز وقلة الحيلة وضياع الأحلام والأماني التي تشكلت بشكل سريع بعد الثورات العربية، ثم سرعان ما انهارت بعد أن أصبحت الأوضاع إلى الأسوأ.

نعيش في مجتمع منقسم ومشوش الرؤية، أحداثه إلىومية متسارعة، ومن النادر سماع ما يسر من أخبار عامة عن المجتمع، لا تتركوا أحبتكم يسقطوا، بل لا تتركوا من تعرفونهم يسقطوا، لا تتركونهم يتساقطوا في وحل إلىأس والإحباط الذي تجذبهم إلىه الشاشات والأخبار يومياً ببطء! لا ترحلوا وتتركوهم يتهاووا في لحظات الضعف ليصل بهم الحال إلى ذروته!

لا أعتقد بوجود من لا يريد أن يحصل على الاهتمام ولو بكلمة، خاصة لو كان هذا الاهتمام من شخص لم نتوقع منه اهتمامًا بسبب سطحية العلاقة، ربما تسأل أحدهم عن حاله ويجيبك بأنه في أحسن حال بينما هو في حالة سيئة، ولكن إبداء الاهتمام فقط قد يزيح عنه الكثير وإن لم يُبدِ سوء حاله.

ربما من تُقرر إبداء الاهتمام به قد غاب عنه في تلك اللحظات من ترك مكانًا في نفسه، قد لا تستطيع بذلك السؤال تعويضه عمن غاب عنه، فكلُ ميسر لما خُلِق له، كل شخص له دوره في عالمك وله أهميته وعطاؤه الذي يصعُب أن تحصل عليه من غيره، فلا يُنتظر أن نحصل على اهتمام الأب من صديق، أو اهتمام الأم من الزوجة، ولكن القليل من هذا على القليل من ذاك قد يعوض النقص.

لا تترك حياتك تتحول إلى مجموعة من الصفحات والصور الرقمية على مواقع التواصل الاجتماعي، ابتعد عنها قليلاً، بعيداً عن رسائل الفيسبوك وتلك التعليقات المبهمة، بعيداً عن أعجبني ولم يعجبني، بعيداً عن تلك الصور ذات التقنية العالية والألوان المصطنعة، بعيداً عن الواتساب والفايبر والإنستجرام وتويتر ولاين، تواصل مع العالم بشكل حضاري، كأن تخرج مع أحدهم وتحتسي كوباً من القهوة، هذا هو التواصل الحضاري الذي يغذي الروح ويزيدها بهجة، التواصل الذي تسمعه الأذن وتتحرك له الشفاه، ليس التواصل وعمق العلاقات بزمن الاتصال بالإنترنت والنظر إلى الشاشة.
يقول لاري روسن الباحث في جامعة كاليفورنيا والمتخصص في علم النفس في بحث أجراه، أن الأشخاص الذين يقضون أوقاتًا كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر عرضة للاكتئاب والاضطرابات النفسية والأمراض المستقبلية؛ وعلى صعيد آخر، فإن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي يتعلمون إظهار التعاطف الظاهري وكيفية الحديث بطلاقة من خلف الشاشة، مما يخلق لديهم نوعًا من انقسام الشخصية إلى شخصية وهمية كتابية وشخصية حقيقية ربما تخجل من التواصل المباشر مع الأشخاص.

” خلق الإنسان ضعيفاً “، وخلق دائماً بنقص، خلقنا ليكمل بعضنا بعضاً، ولم يخلق كل منا في زاوية جزيرة منعزلة، خلقنا نحب الصحبة واللقاء، نأنس بالحديث والمناجاة، وكما قال الدكتور مصطفى محمود في كتابه “عصر القرود”:

 

“لا نملك أكثر من أن نهون على بعضنا الطريق”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علم نفس, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد