الأولة: عوض

والتانية: حوشية

والتالتة: حليمة

الأولة: عوض شاب قرأ التاريخ أصبح من المتمردين

والتانية: حوشية هُجِرَت زوجة وأم، صبرها صبرين

والتالتة: حليمة كبتوها بقت من القاتلين

**********

الموضوع الرئيسي والمشترك بين كل الحكايات هي النوبة، ماضيًا وحاضرًا.

الأولة: حكاية عوض شلالي الشاب الذي تكلم فسُجن وعُذّب 10 سنوات، هو مثال لجيل الستينيات بطموحاته السياسية والاجتماعية التي نمت مع الثورة ثم وُئِدت بالتدريج.

غلطة عوض أنه قرأ التاريخ، فلم يستطع أن يسكت. عندما يئس عوض من الوضع في القاهرة بعد سجنه 10 سنوات عاد لقريته لعله يُنشئ مجموعة لهم نفس فكره التنويري، يحدثهم عن العدالة والمساواة، يحثهم على الانتفاض والمطالبة بحقهم، يخبرهم بتاريخهم، لكنهم نبذوه وشتموه وهددوه. يتذكر صديقه الذي مات في المعتقل ويتقوى به، يروي عنه:

يوم اعتقلوه كان مصريًّا، لكنه مات نوبيًّا. أفكاره الانفصالية المتطرفة نبتت بين الزنازين وترعرعت على ضربات السياط والإهانات اليوميّة. كان واعيًا وقارئًا للتاريخ النوبي المطموس عمدًا.

ما يلبث بعد عودته من المعتقل إلا قليلًا، حتى طاردوه مرة أخرى ليعتقلوه، بعد أن نمى لسمعهم ما اعتزم فعله. يهرب. يقضي تسع سنين أُخر خارج مصر. في أوروبا يولد عوض آخر يسعى لنسيان الماضي بالانغماس في الحاضر بحب امرأة فرنسية، يتناسى أمه وبلده ورفاقه وفيما بعد زوجته، لأنه لم يستطع أن يتناسى 10 سنوات من التعذيب.

والتانية: حوشية زوجة نوبية هجرها زوجها الشمالي بعد شهرين للسعي وراء أخرى شمالية تاركًا نطفته في رحمها. صبرت على عودة الزوج لكنه لم يعد، ولم تعد تنتظر بعد أن زالت وحشتها بالولد. ثم صبرت على الابن 10 سنوات حتى ظنت أنه مات فعاد، ثم ذهب سريعًا، فانتظرت تسع سنين تعاني حتى كادت تُجن، ثم عاد، لكنه ذهب مرة أخرى، وهذه المرة وحشتها زالت بوجود زوجة ابنها معها، لكنها لم تعد هناك لتنتظره، قتلها الظلم.

والتالتة: حكاية حليمة البنت التي تجسد مأساة النساء الجنوبيات، التي تُساق للزواج من عوض في صفقة ظالمة يعرف عواقبها حوشية وعوض، التي لا تستطيع قول لا في وجه أم زوجها حوشية لأن لا أحد سيسمعها، التي لا تستطيع الطلاق من زوج هجرها وأذاقها مرارة الحرمان لأن العادات والتقاليد تمنع هذا. بعد سنوات من الانتظار القاتل، والحرمان العاطفي، تُقرر التمرد وإشباع ظمئها مع آخر، عندها ستقع مأساة.

**************

الظلم يُولّد الظلم، لا تستطيع في هذه الرواية أن تقضي من الظالم ومن المظلوم، ستتملكك الحيرة والحزن بعد الانتهاء منها.

هذه الحكايات لا يُورَّث فيها إلا الظلم والقهر، عوض يُظلم من الدولة ثم من مجتمعه الجنوبي وبالمقابل هو يظلم بعض من اتبعوا فكره ورتكهم وظلم حوشية أمه بنسيانه لها في الغربة وظلم حليمة امرأته التي اتخذها كجواز سفر فقط، وحوشية تُظلم من زوجها وولدها وتظلم هي حليمة، وحليمة تُظلم من عوض وحوشية والمجتمع الجنوبي فتظلم حليمة بدورها رجلًا صعيديًا وتُلصق به ذنبًا لم يقترفه!
أصبحت بهذا حلقة مفرغة من الظلم.

كل هذا الحزن بدأ من قهر الدولة وظلمها للشباب والجماعات المختلفة عنها، ظلمها بطمس التاريخ وترك الناس في جهلهم وعاداتهم البالية، ظلمهم بعدم اهتمامهم بحياة الناس وبنائهم الخزان والسد الذي غمر الأرض وأهلك العمال وهجَّر السكان.

إدريس علي كاتب متمكن، له قدرة هائلة على التصوير الداخلي للعواطف والأحداث، يتلاعب بالسرد بحرفية متنقلًا ما بين الماضي والحاضر.

الحكايات الثلاث هن أغنية النوبة الحزينة، صرخة واحدة من أفواه عديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, النوبة, رواية
عرض التعليقات
تحميل المزيد