أتمنى لو كنت طائرًا! طائر غير كل الطيور! لست كالذي يحمل في فمه غُصن زيتون، أطمح أن أكون من أهل السماء، كالتي تسكن في أعالي الجبال والصخور، سكنت نفوسها في الأعلى فأبت كرامتها الخنوع، لها منقار يكسر العظام ومخالب تنهش اللحوم، تهبط من القمة لتؤكد أن الضعفاء في القاع يسكنون، في الأسفل تحيا الفرائس في ضعف وخوف، وفي الأعلى ينعم المفترسون في مأمن وقوة، تلك طيور لا تعرف الزيتون، وفي عصرنا ليست كل المعارف محمودة، وأصبح الخير في الجهل أفضل منه في المعرفة، هكذا انقلب الزمان على عاقبيه، ولا مأمن لضعيف ولا سبيل للخير.

فبئس الحياة حياة الفريسة، تحيا بيقين لا تملك شيئًا من أمرها، حياة فقر وبؤس، تأكل وتسمن وتنجب لتكون ضمان بقاء للمفترسين، ترى من حولها يُتخطفون كل يوم، تحيا في انتظار متى يحين دورها، إن هي اليوم نجت فغدًا لا محالة للنجاة، هؤلاء المفترسون يسكنون في الأعلى، أعينهم ترانا ولا نراهم، تسقط علينا فضلاتهم، تلك علامة نذير وشؤم بأن أمعاءهم قد فرغت وحان وقت ملؤها فيأتونا من الحين والآخر، وعلى قدر إشباعهم تكون مصيبتنا، إنها معادلة صعبة أن تكون أوجاعك مصدر إشباع لآخرين.

إن جسدًا يدفعه الخوف لن يكسب سوى خطوات من الجبن، وكسب وقت لحياة مظلوم ما هي إلا زيادة في الألم، عجيب أمر هذا البائس لا يزال يتشبث بالحياة، فمن يبالي بأمرك أيها المعدوم، ألا تعلم أن حياتك مرهونة بآخرين، ولا بد أن تموت ليحيوا، ما كان لعاقل أن يتشبث بخوفه وألمه، لا شك أنه مات من سنين، مات منذ أن رضى بأن يسكن في القاع، مات في طابور انتظار، مات في طريقه المظلم، مات في غربة ضاعت فيها نفسه، مات من صخرة سقطت عليه أو ربما حفرة وقع فيها، وكل ما تبقى منه هذا الجسد الذي ما زال يتحرك وينتظر.

هل سمعت يومًا عن طائر الزقزاق؟! هل رأيته وهو يمشى واثق الخطى بين أسنان التمساح؟! ماذا يفعل هذا المخبول بين فكي التمساح؟ وكيف يأمن على نفسه والأسنان من فوقه وأسفله؟ إنه يلتقط بقايا الطعام، هي علاقة نفعية متبادلة، واتفاق مبرم دون عقد، إنهم أمم في جناح الأقوياء يحيون، يحرصون دائمًا على إرضائهم، لا يكلون ولا يملون من مديح قوتهم وعظيم سلطانهم، يضعون فوق رؤوسهم التيجان، وينصبونهم على العروش، جعلوا من أنفسهم عبيدًا، فما كان منهم إلا أن لبسوا رداء الألوهية، هم في مأمن طالما في نهج خدمتهم سائرون، وبحمدهم يسبحون، فلا تسأل الزقزاق عن التمساح.

هل تسطيع أن تخلع عنك ثياب الفريسة وترتدي ثوب المفترس، لا تحدثني عن ظالم ومظلوم، فحياة المظلوم ظلام حالك لا نهار يأتيها ولا شمس تُشرق فيها، يتحسس طريقًا لا يعلم شيء عنه، ولا يعرف أي نهاية تنتظره، يتخبط بين صخور وسدود ويتعرقل في حجارة ويسقط في الحفر، تسيل دماؤه على الطريق ويخطو بعظام مجبورة وأضلاع مكسورة، وفي الظلام لا عقل يُنجي ولا عين تُرشد، إنما هو خوف يدفع للتحرك، شيء لكسب القليل من الوقت، لكسب القليل من العمر، لا تحدثني عن قوة بعدما ضعفت قواي، ولا تحدثني عن نور بعدما فقدت عيناي، ولا تحدثني عن أمل بعدما أصبحت لليأس عنوانًا، فذلك حديث من دروب الأغبياء.

لا يتحقق العدل إلا بالقوة! والظلم لا يقع إلا بالقوة، والقوي فقط يملك فعل التحقيق والإيقاع، والمفعول به هو الضعيف، وهذا هو واقع الحياة، مفترس وفريسة وزقزاق.

تخبرنا معظم القصص عن معارك بين قوي وضعيف، ظالم ومظلوم، بين الخير والشر وتبدأ في سرد الأحداث عن حال الظالم وملبسه ومسكنه وقوته وأفعاله وأقواله، وعن حياته وملذاته وشهواته وعن حالة الانتصار الدائمة التي يعيشها طوال القصة وعن الظلم الذي أوقعه على المظلوم وكيف كانت حياة هذا المظلوم بائسة وكم كانت معاناته من جبروت هذا الظالم وتوشك أوراق القصة على الانتهاء وما زال المظلوم على حالته وبؤسه وفي آخر صفحتين يكون الانتصار على الظالم، حقيقة لقد علقت القصة كلها بذهني سوى آخر صفحتين لا أتذكرهم، يكون السرد الكبير للشر، بينما ينال الخير أقل من واحد بالمائة من مجمل القصة، كحال المسلسلات والأعمال التي يتم نشرها على القنوات الفضائية، في تسعة وعشرين يومًا يكون الشر هو المنتصر وفي اليوم الثلاثين ينتصر الخير!

أصبحت الحياة بكل معانيها بائسة ومظلمه لا مجال فيها لأي خير، لم يبق في العمر الكثير وما زال الشر هو المنتصر، ما فائدة النصر بعدما يفنى الإنسان، وماذا لو كنت أقف في الجانب الخاطئ؟ تساؤلات تنبع من قلب الظلام، أحاول أن أخفف عن نفسي وعن كل من شاء له القدر أن يقرأ هذا المقال وكعادة الحياة يظل السرد الأعظم للسواد وفي آخر سطرين يأتي البياض فلا سبيل إلا الرجوع إلى الله فهو القادر على أن يبدل الظلام بالنور ويبدل الشر بالخير ويبدل الباطل بالحق وأن ينزع ما في قلوبنا من يأس أصابها وهوان ملأ الصدور، فاللهم اغفر لنا ضعفنا وتقصيرنا والحمد لله رب العالمين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد