كثير منا إن لم يكن أغلبنا يطيع شهوة الغضب، فنكون بهذا الغضب مترعين بالسموم فنتفوه بكلمات أو نقوم بأفعال لا تعبر عن جوهرنا ومكنوناتنا الداخلية الجميلة، وإن الغضب أنواع، غضب بسيط يمر بسلام وغضب شديد وغضب جنوني وغضب بسبب شيء مخالف للفطرة.

قالها أرسطو: «أي إنسان يمكن أن يغضب، ولكن أن تغضب من الشخص المناسب بالدرجة المناسبة في الوقت المناسب، من أجل الهدف المناسب وبالطريقة المناسبة هذا ليس سهلًا».

إن المبدعين الذين رأيتهم في حياتي لا يغضبون، ولم أر شخصًا حكيمًا وغضوبًا في نفس الوقت، والقادة المبادرون الملهمون المسددون الذين يحققون أهداف فريقهم لا يكونون غضوبين، فهم أكثر مرونة، ولذلك هم الأكثر نجاحًا، .والحليم محبوب من خالقه ومحبوب من الآخرين وقريب منهم. ألا تعلمون أن الله عز وجل خلق طبيعة الغضب من النار؟

قال عنترة بن شداد ليثبت أن الحلم طريق العلا:

لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب .. ولا ينال العلا من طبعه الغضب

قد يخبرني أحدهم أن الأنبياء كانوا يغضبون، ولكنني سأرد عليهم بأن الأنبياء كانوا يغضبون لأجل دينهم وربهم الله عز وجل، فمثلًا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، فكان ذلك الغضب نصرة لتطبيق ما أمره به الله عز وجل حتى ولو كانت ابنته فاطمة رضي الله عنها مخطئة.

إن بعض كلمات المرأة التي تكون استفزازية للرجل وتدفعه للجنون مثل كلمة أكرهك قد تدفع هذه الكلمة الزوج إلى فراق زوجته، ولكنه لم يعلم أن في ثنايا هذه الكلمة حبًا شديدًا له، فإن لم يتغافل الزوج سيخرب البيت وسنرى الكثير من المطلقين والمطلقات في شوارعنا وأحيائنا، فحاول أن تجد لزوجتك العذر في سلوكها الخاطئ، وهناك نوع من الرجال يريد المرأة جاهلة أو قليلة العلم وكلما رآها ناجحة حطمها وكسر من مجاديفها لأنه لا يريد أن تكون أفضل منه، فلما مادامت مركولة من الخلف إذا فهي في المقدمة.

كان هناك صبي صغير وقد كان سريع الغضب وعصبي، أحضر له والده كيسا من المسامير وأخبره أنه كلما اجتاحته موجة غضب عليه ان يدق مسمارا في سياج المنزل، فدق الولد في أول يوم 37 مسمارًا في السياج، ولكن الأمر لم يكن سهلًا عليه في البداية، ثم مر يوم بعد يوم وكان عدد المسامير التي يدقها أقل من اليوم الذي يسبقه حتى توقف الولد عن الغضب ودق المسامير، فأخبره والده أن ينزع مسمارًا عن كل يوم لم يغضب فيه، ففعل ذلك وعندما انتهى الولد أخبر والده بإنجازه، فأخبره والده أرأيت الثقوب التي تركتها في السور؟ هذه الثقوب هي الجروح التي تتركها في أعماق الآخرين عندما تغضب. فلا تقحم من لا يستحق قي نتاج نزاعاتك الداخلية فتجرحهم وتجعلهم يتألمون بسببك، وإنه لصعب للغاية، ولكن ليس بمستحيل.

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحب الحليم الحيي ويبغض الفاحش البذيء، إن الغضب إن لم يكن من أجل الله عز وجل فإنه من الشيطان، فإن كسرت كوبًا فإن صراخك ونحيبك لن يرده إلى حالته التي كان عليها قبل أن يكسر، إن كان أحد أحبابك بعيدًا عنك فإن غضبك لن يرده إليك، إن هؤلاء الأشخاص لا يبكون فقط على اللبن المسكوب، بل إنهم يشتعلون غضبًا من أجل انسكاب الحليب، إنهم ينقبون عن المشكلات ويركزون في سفاسف الأمور من أجل أن يحققوا لذة تعذبهم هم أنفسهم وتعذب الآخرين ممن حولهم. قالت إليزابيث كيني: من يغضبك يسيطر عليك فيخفض الغضب من تقدير الإنسان لذاته ويجعله فريسة سهلة للآخرين.

قد تحاول تغيير صفة ما في صديقك المقرب أو أي شخص آخر عن طريق إهدائك نصيحة له، فلا يستجيب لنصيحتك، فلا تغضب فإن دورك قد انتهى عند إبلاغك له بالنصيحة، فنحن غير مسؤولين عن تغيير الآخرين، فهناك من يخسر أحبابه بسبب الغضب من عدم تطبيق النصيحة. قال علي بن أبي طالب: أول الغضب جنون وآخره ندم، وربما في العطب غضب، فاحذر من أن يسبب عطب الغضب خسارة لأحبابك، وأقرربذنبك واطلب تجاوزهم عنه تنل محبتهم ورضاهم فلا يكون لك ذنب الغضب وذنب عدم الاعتذار.

قال الشاعر:

أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزهم

عنه فإن جحود الذنب ذنبان

أرجوكم لا تكونوا كجنكيز خان لصديقه الصقر الذي كان يتتبع له فريسته، وعندما عطش جنكيز خان أقدم ليشرب من مياه ينبوع، وحاول الصقر مرتين أن يمنعه من شرب الماء عن طريق ضرب الكوب وإيقاعه وفي المرة الثالثة قطع جنكيز خان رأسه لغضبه الشديد منه، وفي النهاية عرف جنكيز خان أن منبع الينبوع به حية ملأت البركة بالسم، فأدرك بعد فوات الأوان إخلاص صديقه الصقر له، فيجب أن يبقى الصديق صديقًا ولو قام بأفعال لا تعجبك، واجعل هذه الآية شعلة تنير لك الطريق: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ.

يصل بنا الأمر أحيانًا أن نوضع في نطاق الأمر الواقع في حياتنا، فمنا من يسخط على وضعه ومنا من يرضى، ولماذا قد نسخط على واقع لا نستطيع تغييره، عش أمرك الواقع بكل أريحية وارض بما قسمه الله لك حتى يرضى عنك الله. وفي حالات أخرى قد تسلب منا أشياء في تلك الحياة فنتأفف ونغضب، وتترك الأشياء أثرها كحفرة في قلوبنا، ونظل نتساءل، هل من سبيل لها بالعودة؟ وننسى أن هناك حكمة قد لا نعرفها الآن ويخبئها لنا المستقبل، حتى تعود لنا أشياؤنا أو يملأ الفراغ بشيء آخر، فلحين انقضاء تلك المدة ارض بما قسمه الله لك، فلربما لم يحن الوقت بعد لمعرفة المغزى من سلب هذه الأشياء وكن متأكدًا أن وجود تلك الأشياء مهما كانت قيمتها لم يكن خيرًا لك.

ولكي تمنع نفسك من الغضب، فكر في أضرار الغضب وعواقبه وفي أنه مضيعة للعمر، فعمر الإنسان الحقيقي هو العمر الذي يحياه في سعادة وبهجة ورضا فالحياة قصيرة للغاية، والصبر حل رائع لمنع الغضب فهو انتظار لثواب الله عز وجل فاسترخ ودع كل همومك في ميزان القدير، فهو يدبر الأمور كلها، ولا تفكر أبدًا في وضعها بموازيننا التي لا تدرك أو تستوعب يسر الأمور، وليكن شعارك: وأفوض أمري إلى الله. وتذكر دومًا أنه لولا ظلمة الحوت لما أسلم على يد يونس عليه السلام أكثر من 100 ألف، وتذكر دومًا أنك خليفة الله في الأرض ومعلم صانع للأجيال ومحيي لشباب الأمة، الغضب يجعلك تشيح وجهك بعيدًا عن أهدافك مما يسعد أعداءك، أوتعلم؟ حتى أعداءك سامحهم، وإذا استفزك شخص ما من أعدائك فاصمت واكظم من غيظك وتذكر وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.

إذا غضبت توقف عن ما تقوم به حتى تهدأ، وعلاجه السكون والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، توضأ بالماء فإن الغضب خلق من نار وادع ربك باللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن، صل ركعتين لله وأطل السجود، وكن واثقًا بالله، وعلى يقين أنه لن يضيعك أبدًا.

كان هناك تاجر صبور كلما أصابته مصيبة قال اللهم اجعله خيرًا، فخرج مع أصحابه رحلة للتجارة فاتفق الأصحاب على إخفاء جمله بما يحمل من متاع وإخباره أن جمله قد هرب لاختبار صبره، وفعلوا ذلك بالفعل فقال التاجر اللهم اجعله خيرًا، فبعد فترة أتى مجموعة من قطاع الطرق وانقضوا عليهم وأخذوا جمالهم، فأخبروه أنهم قاموا بتخبئة جمله لاختبار صبره، فقال لهم: ألم أقل لكم اللهم اجعله خيرًا؟ فكان ذلك مثال على الثقة بالله عز وجل وكظم الغيظ مجتمعين فالحلم هو شفاء من كل الآلام، والله عز وجل يحب الحليم ويبغض الفاحش البذيء فانتصر التاجر بأن أعزه الله عز وجل ونصره نصرًا مؤزرًا؛ لأنه كان حليمًا تاركًا للغضب.

ونصيحة للتعامل مع الغضبانين هو أن تجعلوهم يفرغون كل ما بداخلهم من شحنات وطاقة سلبية، ولا تردوا أو تعلقوا عليهم واتخذوا الصمت سبيلًا للتعامل معهم، وكن ممن قال الله فيهم، وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا.

وإن كنت غضوبًا فحاول أن تكون حليمًا، فإنما الحلم بالتحلم، وابدأ وبادر في التغيير فالمبادرة هي أن تكون مسؤولًا عن حياتك، لا أن تجعل الغضب يتحكم بها، واجعل مبدأك في الحياة هذه الآية خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد