تسطر بعض الدول تجارب ناجحة، فتُصبح تجاربها نماذج براقة للدول التي تحاول أن تنهض بنفسها وتصل إلى مستوى ملموس من التقدم. وعلى صعيد آخر، تسطر بعض الدول تجارب فاشلة، فتصبح تجاربها عبر ومواعظ للحذر منها وتجنبها.

 

آبار نفط الخليج:

تم اكتشاف أول بئر للنفط في البحرين عام 1932، على يد إحدى الشركات البريطانية، وتوالت عملية الاكتشاف في بلدان الخليج الأخرى، إلى أن أصبحت جميعها بلدان نفطية. وكانت تعاني دول الخليج من حالة قحط اقتصادي شديدة قبيل اكتشاف النفط، ولكن عقب اكتشاف آبار النفط تحت ثراها، أضحت من أغنى دول العالم.

 

استغلال دول الخليج لثرواتهم:

امتلكت دول الخليج أحد أهم ثروات العالم الأولية التي استخدمت وما زالت تُستخدم في عمليات الصناعة التحويلية الخفيفة والثقيلة، وتشغيل محركات النقل بكافة أنواعها، وفي العديد من المجالات الأخرى التي شكلت حالة استهلاك مستمرة للنفط، وبالتالي وفرت دخلًا اقتصاديًّا ضخمًا لدول الخليج.

وأوضح مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث الإستراتيجية أن صادرات النفط شكلت ثلاثة أرباع صادرات دول الخليج مجتمعة، وهذا إن دل فإنما يدل على أن دول الخليج تقبع في فئة الدول المعتمدة بشكل أساسي على المصادر الأولية في ناتجها القومي، وهذا ما يشكل خطرًا جسيمًا على هذه الدول، إذ إن قضية اهتزازها اقتصاديًّا أو تعرضها للإفلاس، مرهون بانخفاض أسعار المادة الأولية المعتمدين عليها، أو نفادها بشكل كامل.

وأظهرت الكثير من الأبحاث الاقتصادية التنموية الخاصة بثروات النفط في تلك الدول، أنها لم تحسن استغلال هذه الثروات في وضع رؤى اقتصادية إستراتيجية تحولها من دول معتمدة على ثروات المواد الخام بشكل تام إلى دول صناعية تعتمد على النفط بشكل جزئي، بل مالت إلى الإسراف والتبذير وأُحيطت بمنظومة سياسية واقتصادية فاشلة، فظلت دولًا متخلفةً من الناحية الاقتصادية، تعاني من تنوع الموارد الاقتصادية الخاصة بناتجها القومي.

ووفقًا لتقديرات مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث الإستراتيجية، فإن البحرين وسلطنة عُمان الدولتان الأكثر اعتمادًا على النفط، بينما قطر والإمارات العربية المتحدة، هما الدولتان اللاتان بدأتا بعد عام 2005، في قطع الطريق المؤدية إلى تنويع مصادر الصادرات الخاصة بها، وتمكنت هذه الدول من فك اعتمادها على النفط كمورد أساسي لصادرته بمتوسط يُقدر بـ40%، ولكن ما زالتا تحتجان قطع شوط أكبر للتخلص من الآثار السلبية التي يمكن أن تنتج عن أي أزمة تطال النفط.

 

الحذر من تجربة الخليج:

أخذت ثروات الخليج مكانها في كتب التاريخ على أنها تجربة تاريخية سلبية يُحذر الساسة والخبراء الاقتصاديين والإستراتيجيين من السقوط فيها مرة أخرى، حيث وصفها الكثير من الخبراء الاقتصاديين والإستراتيجيين بالخسارة الاقتصادية الكارثية، معزين ذلك إلى القول إنه لو حظيت الدول المتقدمة بهذه الثروة، لأحسنت استخدامها وشكلت ثورة صناعية وتكنولوجية شبيهة بتلك الثورة الصناعية الإنجليزية.

وفي ضوء هذا الطرح، تُقدم النصيحة للدول والمجتمعات غير الخليجية الأخرى، في إطار جملة تحذيرية مفادها “لا تكونوا مثل الخليج”.

لا تكونوا مثل الخليج؛ حيث حاز على معدل متقلب منذ اكتشاف النفط وحتى الآن بمقدار 35% من مجموع احتياطي العالم في النفط، وقُدر حجم العوائد لكافة دوله بما يفوق التريليون سنويًّا، ولكن لم يحسن استخدام هذا الاحتياطي في إعداد الخطط التنموية الإستراتيجية الشاملة في نظامه الإداري والمجال الصناعي أو الزراعي أو العسكري أو العلمي، فما زال إلى يومنا هذا يعاني من حالة تبعية عُظمى للعديد من الدول في المجالات الصناعية والزراعية والعسكرية، ولم تتمكن أي دولة من دول الخليج إلى اليوم تحقيق مستوى إيجابي في تخفيف حدة التبعية الاقتصادية للدول الأجنبية.

يُذكر أن السعودية تمكنت من توفير 40% من حاجياتها للسلع الصناعية، ولكن تبقى هذه النسبة ضئيلة جدًّا في ظل تمكن العديد من الدول الأخرى التي لا تمتلك هذا الحجم من الثورات، وتحقق مستوى أعلى بكثير من المستوى المذكور.

وكما أن قطاع التطور العلمي حُرم بشكل كبير من الإنفاق الإستراتيجي الذي كان يمكن أن يساهم في دفع عجلة تطوره أسوة بدول العالم الأخرى التي وصلت إلى مستوى مرموق من التقدم العلمي والتكنولوجي على الرغم من عدم امتلاكها لكم الثروات التي تمتلكه دول الخليج.

لا تكونوا مثل الخليج غائص في سكرات الإسراف والتبذير، ينتظر لحظة السقوط إلى الهاوية في أي تغير يطرأ على أسعار وطلب النفط، بل كونوا مثل اليابان الذكية المتوقدة، وكونوا مثل أمريكا الحصيفة، وكونوا مثل ألمانيا نافذة البصيرة، وكونوا مثل ماليزيا الأريبة، وكونوا مثل سنغافورة الفذة، فهذه الدول شكلت نماذج فريدة في مجال التقدم الحضاري الشامل، والاقتداء بها يوصل إلى مستوى تقدمي تتغنى به الأمم الأخرى في مجال الازدهار الإستراتيجي المتنوع.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد