default-avatar
محمود أنس محمد

190

default-avatarمحمود أنس محمدأنس

190

في البدء أود أن أقول لكم إنني لا أعلم أي شيء عن أولِ خمس سنوات في حياتي ولا أريد أن أعلم. أقسم لكم أننا أكثر الأشياء المختلفة تشابهًا. أحدث نفسي يوميًا عن هؤلاء الذين يقفون خلف الشاشات المصمتة لعرض مواهبهم من فنانين ورياضيين وإعلاميين، هؤلاء الذين لطالما سعينا جميعًا أن نكون مثلهم لكنه القدر.

ألقي بالحصى الواحدة تلو الأخرى يستجيب البحر فقط بدواماته التي لا تنقطع، أتعمق في أفكاري ومعتقداتي وتفاهاتي التي ما زالت تصارعني فتارة أقفز مهللًا فرحًا لإحراز فريقي المفضل هدفًا، وتارة ألعن هؤلاء الذين يملؤون الشوارع احتفالًا بفوز فريقهم وأتساءل ماذا سيحدث لهم من خلف هذا الفوز من تقدم في حياتهم، أبدو أكثر جدية ولكن هذا لا يعني شيئًا، يتساءل سائق السيارة عن جدوى تعصب هؤلاء وفرحتهم وشدة تعلقهم بكرة القدم إلى هذا الحد، أبتسم في نفسي وأقول لي ماذا عن هيامك أيها السائق وتعصبك منذ قليل لأغنية يملؤها الصخب، يقطع تفكيري موجهًا سؤاله لي، أوافقه الرأي ولا أعقب.

أقول لنفسي اليوم سوف أذهب إلى العمل ولن أتابع المباراة وأعلل ذلك بأنني لست تافهًا، أنا هنا صاحب المسئولية والعقل الراجح، أنا الفقير الذي أبحث عن المال الذي بالطبع لن أجلبه بمتابعتي لاثنين وعشرين شخصًا يركضون خلف كرة ليركلوها بأقدامهم، لكن سأجنيه بالعمل، العمل الذي لا أحبه ولا يحبني.

في انتظار مريض آخر، يأخذني التفكير إلى ما يحدث في الخارج وكيف سيؤثر غيابي بل وكيف سأتأثر أنا، هل سيتغير مجرى الكون هل سأتغير، يقطع تفكيري دخول مريض يتألم يكاد أن يأكل الأرض من شدة ألمه، أهدئ من روعه أقوم بعملي تجاهه يخرج سعيدًا ويتركني في سعادة بالغة، يقطعها صوت آهات يأتي من بعيد، يُعلِمُني أن هناك هدفًا قد أتى، أعود إلى تفكيري في أحداث المباراة.

تعود أختي من عملها متأخرة تلقي السلام ثم تسألنا ما الذي حدث لرانيا؟ من رانيا؟ أتساءل ثم أكتشف أنها إحدى شخصيات مسلسل ما لا أتابعه، يقوم أفراد العائلة بسرد أحداث المسلسل لأختي يخبرونها بأن رانيا قد قتلت، تبحلق، تحزن وتلعن خروجها للعمل ظنًا منها ربما أن خروجها كان سببًا في مقتل رانيا، أراقب الأحداث مندهشًا ولا أعقب.

ماذا كان يحدث يا أمي عندما كنت جنينًا؟ أتساءل، تحكي لي عن آلام الحمل وما كانت تعانيه وتسرد لي بعض المواقف المضحكة أقاطعها، أقصد ماذا كان يحدث بالخارج؟ تصمت، أعود لشرودي.

منذ سنوات توفي خالي، كان قبل وفاته بأيام يحاول لم شمل العائلة ولم يكن يعرف أنه سوف يفارقها، لكن سرعان ما وافته المنية، هو الآن يقضي ما تبقى له تحت التراب يسأل نفسه عن ما يدور بالخارج، هل نجحت محاولاته وماذا عن عائلته، هل تجري الأمور بشكل طبيعي أم أن غيابه أوقف عقارب الساعات عن العمل.

ماذا يفعل بك الكون يا ولدي في الغربة؟ لا شيء فقط أعاني ولكن بشكل مختلف، ماذا تفعلون وكيف أصبح الحال في سفري؟ لا جديد الصباح يطلع كل يوم ويغيب ويحل الليل بعتمته وأفكاره ونتذكرك ونأكل ونحكي عنك وننساك.

يا صديقي العزيز دعك من كل هذا، كن تافهًا أو لا تكن، حاول أو لا تحاول، تمسك أو لا تتمسك، غيابك قد يكون مؤثرًا لأحدهم لكن لا تنتظر أن تنشق الأرض وتبتلع من عليها لمجرد أنك لست مهتمًا أو لمجرد غيابك.

تمضي الحياة يا صديقي فلا تعلق ولا تبالِ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك