ويحدثونك عن التصالح مع النفس وإيواء الحقيقة والتحكم بالغضب وإطراء المادة وإثراء الروح وتدوين المجهول وتعظيم المعلوم. ويحدثونك عن مجاهدة النفس ومكابدة الأهواء وعدم خوض التقليدي، واجتناب المكرر وصقل الروح وخداع الفكر ووسائل التحصيل الحديثة. ثم يحدثونك عن التهتك العرقي والفسق النفسي والمجون المجتمعي، والفساد الذاتي والحُمق العالمي والبلاهة المعترضة في كل عقل ذكي مجتهد.

ويحدثونك أن افعل كذا لتأمن كذا، وأن عليك بهذا لتجنب ذاك، وأن أعمل قدر هذا لتحصل على هذا القدر. ويضربون لك المثل بالرامي بالقوس المصيب للهدف المحصل للنقاط الناظر للحياة الوردية المعترف بأن لا كدر ينغص على المخلوقات حياتهم، وأن لا نصب عليهم، ولا هم يحزنون، إذا ما اتبعوا طريقه في التحصيل والإلمام بلأمور والاتيان بالمعروف والنهي عن السخط.

ثم يتطرقون لذكر ذاك الذي ما لبث أن خرج من قوقعته المهترئة ليكون مثالًا لهم وقدوة لغيرهم وعبرة لجميعهم. ويأتي أحدهـم ليخبرك بماهية تكوين النفس البشرية التي يجب أن تكون 100% طوال الدهر، والتي خُلقت من ذهب مصفى، وأن الذهب لا يجوز له إلا الصقل الجميل، والتدليك العظيم.

وآخرون اعترفوا بذنوبهم في إخبار الناس الأضداد، فيحدثونك عن طرائق قددًا لإثبات النفس وتهذيب الذات التي ما لبثوا أن رأوا بأن كلام المؤثرين والخبراء النفسيين وتعليم كتب النهوض الروحي ما كان إلا هباءً منثورًا وحشوًا مغمورًا وسُخفًا فاجرًا ولغوًا مسبوغًا، ما زادهم إلا إذعان، وما أضاف للقبهم إلا صفة الأتباع المقتدين المتمثلين بمن لا يصح الاتباع بهم.

وتحدثك نفسك، أن لا تفعل الواجب تبعًا لما يمليه عليك العرف والمجتمع، وأن لا تكابد الحزن ما دام كظلك وأقرب، وأن لا خوفٌ على فترات ضنك تعيشها النفس في ظل الأسى المحبط المتراكم تلقاء الهذيان الموسوس والانفتاح المقلق والغباء المبعثر في أرجاء المعمورة المهدومة قلبًا.

وتحدثك نفسك أن لا تفعل الواجب إذا كان واجبًا مفروضًا عليك من قبل الجميع لفرط رؤيتهم الإيجابية المحببة لهم أنه يناسبك ويتماشى مع نفسيتك ويصلح لصقل ذاتك وإنماء روحك ويعلي من شأن نفسك المحبطة الممزوجة بتسلط متناثر.

وتحدثك نفسك أن لا تفعل الواجب لمجرد الفعل، إذا كان لا حياة تملأ كينونته، ولا بهجة تضفي عليه لمسة حب حانية تحوله من واجبٍ مفروض إلى عمل محمود. وتحدثك نفسك، أن لا تفعل الواجب وتسير خلف الجموع منصاع الرأي منقاد الهوى. وتحدثك نفسك أن لا تفعل الواجب، إذا كان ما تمليه عليك الكتب والمخطوطات والكراسات التقليدية. وتحدثك نفسك، أن لا تفعل الواجب، إذا كان واجبًا بحتًا لا روح فيه، ولا غاية له ولا مبتغى يوصلك إليه.

ثم تحدثك نفسك أن لا تفعل الواجب بلا تمعن قلبي وهيام ذاتي وغرام ديناميكي يقودك لما تريد ويوصلك لما تهوى، وأن لا تفعل واجبًا لا يقودك لذاتك ولا يضفي لمخزونك المكنون شيئًا، وأن لا تفعل واجبًا ملقى على عاتق روحك المدماة من كثرة الواجبات المصقولة بلا حب ولا رؤية ولا هدف.

 وتحدثك نفسك، أن لا تفعل الواجب المنصب عليك انصباب الخمر في الكأس المعتقة المذهب للعقل المغيب للقلب الجارح للبصر والبصيرة، الذي لم يعد يسمن ولا يغني من كهن وضعف منسكب جراء النفسيات المحيطة التي لا شأن لها، إلا أضعاف القلب أكثر فأكثر وتثبيط المعنويات الداخلية المحطمة أصلًا وتعويق سير هدوء النفس المنخلية بعالم لا يشبه عالمهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد