كتبت حوالي سبعة مقالات، كنت أحاول فيها تنبيه الثوار والسياسيين والفنانين والتيارات في سوريا بأن يتعلموا من تلك التجارب التي تتكرر، كما لو أنها مجرد إعادة للمشاهد ذاتها بأبطال جدد، أو قل إن شئت «دُمى جديدة». تحت عنوان: يا أهل سوريا.. لا تنسوا الشيشان؟

وبعد أن وضعت في أجزائها الأولى ذلك الصراخ الأول، وضعت في أجزائها الأخيرة سبل الحركة والتغيير «في طريق الحل»، من أجل فك هذا التشابك والتعقيد الذي أصاب المشهد.

أرسلت خطتي للحل إلى قيادات في الثورة – عسكريين ومدنيين – وتأكدت أنها وصلت لغالب من أرسلت إليه، وكان الجميع يعد بالرد، لكن لم يصلني الرد حتى تاريخه!

ولا حاجة في الحقيقة لمعرفة الرد، فكل المعطيات على الأرض تخبرك أنهم يسيرون عكس المكتوب والمطلوب.

تواصلت مرة أخرى، ولكن لا جديد، فقررت التوقف عن الكتابة، وإلا فلمن نكتب، إذا كانت الكتابة مجرد تنفيس لا تأسيس.

ورحت أراقب المشهد في سوريا، وعلى الطريق الآخر كنت أكتب المقالات إلى من يهمه الأمر في تركيا، أحيانًا واضحة، وأحيانًا أخرى مبطنة، للغرض ذاته وهو: إحداث تغيير جوهري أو ملموس على أرض الواقع.

كان الروس يتحركون، وأنا وجيلي نفهم معنى حركة الروس بالدبابات في أراضي المسلمين، أو في أراضي خصومهم عمومًا، والشيشان ما زالت شاهدة لليوم على هذا «القذر» الروسي، والصمت الدولي، والمنفعة العالمية من وراء الدم وإضعاف الأمم، كما كانت البوسنة وكوسوفا وأفغانستان والعراق، وفلسطين وكشمير. وأخشي أن لا يكفيني المقال لذكر هذه الجرائم التي كانت تتم وما زالت برعاية أممية ظاهرة حتى لمن راح عنه نور بصره، ففي الأنباء خير مخبر ودليل.

كان المشهد في سوريا كئيبًا يسيطر عليه لون واحد، حتى وقت الانتصارات المؤقتة، ظل الأمر يتأرجح ويتأرجح على المنوال ذاته، وإلى المصير ذاته، وكأن من يديرون المشهد عميان عن النظر، وصم عن السمع، وبكم عن الاعتراف بفداحة ما يفعلون!

حتى كانت حلب، فكتبت عما حدث هناك وقلت إنه سيتكرر، لأن الأرض قابلة لتكراره،

وها هي الغوطة تشهد.

وكنت أنظر لتلك «الدعوات المجردة» التي تحدث الناس عن الأمل، وبأن الثورة ستنتصر رغم الجراح التي تصيبها هذه الأيام، وبأن اليأس خيانة، بعين الغضب؟!

فنعم اليأس خيانة، لكن الحديث عن أمل ليس له على الأرض خطة ولا نصير خيانة أيضًا.

وراح الناس تحت هذا الأتون المشتعل الذي لا يهدأ، يكفرون بالثورة والتغيير، وبعضهم كفروا بالله العظيم.

لماذا؟ لأن القيادات التي كانت تقود معاركهم العسكرية، والأخرى التي كانت تقود معاركهم السياسية، والصائحين بينهم في المساجد، كانوا يخبرونهم أن الله معهم، وأن الله ناصر الحق لا محالة.

ويقينًا الله ينصر الحق، أما كون ما لديك أو تدعو إليه هو الحق، فهذا محل شك وتحقيق، واليقين لا يزول بالشك، بل اليقين يزول باليقين.

وكلما كان صوت الناس يعلو بالأنين، كانت أصوات كثيرة من تلك القيادات البائسة تعلو بهتافات كـ«ما وَهَنَّا»، كما هتف إخوانهم في مصر من قبل وقالوا: «اليأس خيانة»!

ونعم: ما وهنّا، لكننا ابتلينا بقيادة تلقي بنا في النار ولا تبالي، فلا تفوز ولا تتعظ، فمن يا قوم لنا؟

وعلى هذا الألم وتلك الخيبات، كانت أنظمتنا المستبدة ترقص فرحًا بهذه الجثث، وهذا الخراب، فشعوبها شاخصة أبصارها إلى ما يحدث، وتعلم يقينًا أن هذه الأنظمة باتت مستعدة للسيناريو ذاته حفاظًا على كراشيها وكراسيها، وأن الحكومات الغربية اللطيفة التي تتأذى مما تتأذى منه العاهرات، تهتف أوقفوا الإرهاب، وتنادي بأن دعمهم لتلك الأنظمة المستبدة، التي راح الجاهل يدرك أنها من صنع أياديهم كما الإرهاب، واجب حتى لا تسقط الدول وتحدث الفوضى.

ولا تخلو كلماتهم وشاشاتهم من الحديث عن الإرهاب الأسود، ويقصدون به كل أحد، إلا تلك الأنظمة التي أبادت شعوبها بكل وسائل الإبادة، فسلخت واغتصبت وسرقت وقتلت، حتى يرضى عنها السيد الأبيض!

ونعم الإرهاب حقًا أسود، لكن النظم المستبدة أشد سوادًا.

وراحت جوقة علماء السلطان تخبر الجماهير أن ما يحدث لهم عقوبة على عصيان ولاة الأمر، أولئك الذين رحبوا بالمحتل، وهتكوا عرض من قاوم. وصورت المشهد للناس، كما لو أن الله راض على كل هذا الفجر الذي يفعله الحكام، وساخط على ثورات الشعوب، ووالله لو أعلم أن دين الله يقول مثل هذا الفُجر – وحاشاه – لكفرت به غير متردد.

تعب الناس، وحق لهم أن يتعبوا، ولكن ما البديل إذا كانت كل خياراتنا هي الموت، لابد أن الموت على قرع الطبول أعز من الموت تحت سياط الجلاد، هذا إن كان الموت هو السبيل الوحيد.

ولا تصدقوا وعود الخائنين الذين استباحوا دماءكم طلبًا للسلطة. فلا تُسلِم لمن يَسلِب، ولا تأمن لمن يخون وإن أعطاك الضمانات، فالمعطي خائن والضامن خوان.

ولا تظنوا أن تلك الأنظمة لا تخاف، أو لا يملؤها الرعب، فهذا البطش دليل كاف على تملك الرعب من قلوبهم.

وأذكر أنه بعدما اعتقل النظام المصري الفريق سامي عنان بعد إعلانه الترشح لانتخابات الرئاسة، والرجل كان مقدرًا له أن يحقق شيئًا أمام عبد الفتاح السيسي، قال أحدهم:

– هل تقول إن النظام خائف بعد ما فعل اليوم؟!

– قلت: نعم خائف ويضع لما يقوم به اليوم «ألف حساب».

– قال: فلماذا يفعله طالما خائف؟

– قلت: لا سبيل أمامه سواه، وهو أيضًا مسنود من الخارج، فلا ابن سلمان يقود هذه الحملات من تلقاء نفسه، ولا النظام المصري أو السوري يتحرك بغير الضوء الأخضر الخارجي، والنظام من أمر كهذا يجس النبض وردة الفعل، ويعقد من توابع ما يفعله صفقات داخلية.

– قال: أليست مجازفة؟

– قلت: نعم مجازفة، لكن لها فوائدها على النظام كثيرة إن نجحت.

– قال: وماذا ترى سيفعل سامي عنان وداعموه؟

– قلت: إن لم يجدوا قويًا يتفقون معه، فسيقبلون بصفقات النظام، وسيفاوضونه بحسب قوتهم وما يمتلكون على الأرض.

أما النظام، فبعدما يقومون جميعًا من على منضدة المفاوضات والصفقات، ويتصافحون ويتبادلون القبل، سيبدأ في إعداد حملة جديدة ضدهم، تقضي عليهم تمامًا، أو تجلسهم جميعًا في بيوتهم، يقرؤون المذكرات والأذكار. ومن سيرفض، فالسجن موجود «يسع من الحبايب ألفًا».

فلا تركنوا لتلك الأنظمة العفنة، حتى لو أعطتكم امتيازات وحقوقًا حصرية، لأن من يعطي  مضطرًا، ينزع وقت القوة أضعاف ما أعطى، ومن طلب الحكم بالدم، لن يتركه بالمفاوضات.

ولا تركنوا لوجوه المعارضة التي تساوي بين الثورة والنظام المستبد، أو تلك التي تلوم الضحية على فُجر الجلاد.

واستغلوا أبسط الفرص الممكنة لما تلوح، حتى لو كان التغيير المرجو من ورائها بسيطًا طالما كانت في إطار الخطة التي وضعتموها، أو فتحت لكم طريقًا سدًا لم يكن قد فتح من قبل، رغم أن الواجب عليكم – بعد الاستعانة بالله – أن تفتحوا مثل هذه الأبواب، لا أن تنتظروها تفتح.

ولا تتعبوا أنفسكم كثيرًا في البحث عن من منكم السبب في وصول الثورة إلى تلك الهزائم والخسائر:
– فجزء كان خارجًا عن إرادتكم وهو اللعب العالمي بمصير الأمم.

– وجزء كان بسبب تعامل غالبيتكم بغباء وعدم فهم لما يحدث من حوله، وعدم امتلاكهم ديناميكية للمناورة، ولا الاعتقاد المبكر بأن كل الذين خانوا شعوبهم وأظهروا مساندتكم، لا يمكن أن يأتي من ورائهم خير أبدًا، فلا يُجنى من الشوك العنب، وعدم امتلاككم أوراقًا للضغط، ولا خطة للمواجهة، أو معرفة المقبول وغير المقبول لديكم كجمع، فكنتم في صراع لإثبات المشاريع، وهذا مصيره الهلاك لا شك في ذلك، وسمحتم لجزء من الجماهير التي تنتمي إلى مشاريعكم الممزقة أن تقودكم، فقد كانوا الجمهور والجنود.

– وجزء ثالث يخبرنا أنه ليس للحق نصير على تلك الأرض، إلا الذين خرجوا يطالبون بتحقيقه، فإذا كان أهل الحق على هذا الدرب من الوهن والخبل، وعلى هذا الشكل من التخطيط والفهم، فلا شك أن معاركهم خاسرة مختومة بختم الهزيمة، أينما حلوا، وأينما علت أصواتهم.

وما زال أمامكم جزء باقٍ لتعدوا العدة فيه، وما زال أمامكم جزء باقٍ لتنطلقوا منه على هتاف الثورة الأول، وما زال هناك مكان يصلح لكسر الخصم وإدارة معركة النصر.

فإما أن تدركوا هذا سريعًا، وإما أن تبكوا كالنساء – وستبكون مرارًا – على ثورة لم تحافظوا عليها كالرجال. والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد