من أكثر الأشياء الحميدة والعادلة في ديننا الحنيف أنه بعد موتك يكون عداد حسناتك أو سيئاتك فعالًا ونشطًا، ما إن تترك أثرًا حميدًا ونافعًا؛ فإن العداد يزداد ويزداد، وما إن تترك أثرًا قبيحًا، أو سيئًا أو مؤذيًا فإن العداد يزداد ويزداد، ونعوذ بالله من هذه الأفعال ومن هذا الازدياد، ومما يؤدي إليهما!

الأثر مقترن بك أنت، وهو ملازمك أنت أولًا على صعيدك في حياتك وبعد مماتك، قد ترمي زجاجة على الأرض وتكسرها ولا تلقي لها بالًا، وبعد ذلك يأتي شخص وتصيبه هذه الزجاجة! أي اعتداء هذا يا هذا؟! أي أثر هذا؟! ما هذا الجرم القبيح؟!

الأثر كذلك مقترن بغيرك، عندما تأثر غيرك بالأثر الذي صنعته، فهو يتعدى بذلك إلى الآخرين، فعندما تسكب زيتًا على الأرض من سيارتك، ولا تقلق لما حدث وكأن شيئًا لم يحدث؛ ويأتي شخص آخر لم ينتبه لما أحدثته وخلفته وراءك، بقصدك أو بغير قصدك! فيصيبه شر ما أحدثت؛ فهذا أثرك القبيح تعدى لغيرك! يا لها من فعلة قبيحة ومؤلمة!

وعندما تضع ماء سبيل في طريق معين، ويستفيد منه غيرك؛ فهذا أثرك الحميد وفعلتك الحسنة لك أولًا، فالأثر لا يُنظر فيه إلى شخصك الكريم، وإنما يتعدى إلى غيرك، وينظر فيه إلى مصلحة غيرك كذلك، فلا بد قبل أن تفكر في الأثر، أن تفكر في تبعاته.

هناك الكثير من الأشخاص عندما يُحدث أثرًا سلبًا أو مؤذيًا يفرح لذلك، وكأنه أحدث شيئًا عظيمًا في دائرة عقله الصغيرة المتناهية في الصغر! ولا يعلم قول معلم الأمة – عليه الصلاة والسلام-: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية…»؛ فكل صدقة جارية هي لك وفي عداد حسناتك وميزانه، ولك أجر كل من لحق بك واتبعك وفعل بفعلتك، وكل فعلة سيئة واختراع قبيح ومؤذي، هو عليك وفي عداد سيئاتك وميزانه، ولك وزر من لحق بك واتبعك! فمعلمنا – عليه الصلاة والسلام- بين ذلك لنا أنه «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء» (صحيح مسلم).

لا تتردد في الأثر الحسن

أيما أثر حسن وقع في قلبك، أو بمقدورك واستطاعتك أن تفعله، فلا تتردد في فعله وحث الناس عليه وإليه؛ فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، لا تعلم ما يفعل هذا الأثر بعدك، ربما يغير ويصلح الحال، ويفرج الكرب، ويهدي البال، وما يدريك!

تجرع الأفعال الحسنة وانشرها

لا شك في أن من خلال كبد هذه الحياة التي نعيشها ونعيها، تعلمنا الكثير من الأشياء، ونستطيع أن نميز بين الحلال والحرام، بين الفعل الصواب من الخطأ، بين الشيء المفيد والشيء غير المفيد، بين الأثر الحسن النافع، وبين الأثر السيئ المؤذي، هذه الحياة علمتنا الكثير والكثير، لنكون على استعداد لبذل الكثير والكثير، لأهلنا، وأبنائنا، وأحبابنا، وأمتنا الإسلامية؛ فالنهوض بهؤلاء لا يحتاج إلا ترك الأثر الطيب الحميد الرفيع! فعند قولنا الأقصى في خطر، أو أن الأقصى يشكو من قلة رواده مثلًا؛ فهذا يعني أن تعمل أي شيء في سبيله، أن يكون لك أي أثر، ولو بسيط، في نصرته وحمايته والدفاع عنه، وأقل القليل وأكثرها هو حبه!

فليس المهم أن تترك ذاك الأثر؛ لكن المهم أن يكون طيبًا نافعًا مجديًا، تنتفع منه أنت ومن حولك، والناس أجمع.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد