لا يتورع الأخوة في الخليج – هداهم الله وأعادهم إلى رشدهم ولو لوهلة – عن التصفيق والتهليل، بل والتكبير في بعض الأحيان لأي قرار أو موقف سياسي يتخذه القابع بين أروقة البيت الأبيض على مر العصور منذ عشرينات القرن الماضي إلى حد أعتقد أن أمريكا إذا اعلنت أن الشمس تشرق ليلًا، لكان هؤلاء أول من حرصوا على الترويج لذلك بالباع والذراع، إنها أزمة من تحولت للعبودية من دون الله من عادة العبادة لديه، لكن الأمر بات لا ينطلي على أي ذي عقل يتناول الأمور بأبجديات المنطق.

ربما أتفهم ذلك في سياق أن تكون تلك القرارات تتماهى وتستقيم مع مصالحهم واستراتيجياتهم، فطويل العمر في كل قطر من أقطار الخليج العربي برز كما لو كان حصل على توكيل التصفيق مدى الحياة، فالتأييد لأمريكا صار عندهم كالجباية التي كانت تفرض قديمًا من قبل الانتداب على أهل البلد الذي يبسطون نفوذهم عليه.

السابع من مايو (أيار) الجاري الرئيس الأمريكي ينفذ إلى العالم عبر إحدى مشربيات المبنى البيضاوي متقمصًا دور الفنان المصري عبد المنعم مدبولي في عمله الشهير مطاردة غرامية ليفجر قنبلة من العيار الثقيل في وجه الأمن والسلم الدوليين. معلنًا أنه بصدد التوقيع على مذكرة رئاسية تمحق الاتفاق النووي مع طهران، والذي قد وقعته واشنطن وحلفاؤها الأوروبيين في نهاية ولاية الرئيس أوباما.

إعلان كان بمثابة الفصل الأخير في مسرحية هزلية كان بطلها في فصلها الأول نتنياهو الذي قص علينا بطولة من محض خياله المريض يظهر فيه جهاز استخباراته بالجهاز العملاق الذي اندس وانساب إلى داخل العمق الإيراني، بالتحديد ولج إلى أحد المستودعات، حيث تخبئ إيران وثائق سرية تثبت استرسالها في تخصيب اليورانيوم، واستكمالًا للخبل فقد استولى الموساد على نصف طن من هذه الوثائق، وقدموا بها إلى تل أبيب حيث الإيرانيين كانوا نيامًا، رواية لا تنطلي على البعير الذي يقطن الصحراء، لكن ترامب عكف على إخراجها على نحو أكثر رداءة من ذلك الذي أدى البطولة لأنها مسرحية من أصل رديء.

ولأن أصحاب العقول في راحة، فلم تقف الإدارات الخليجية على تثمينها للقرار فحسب، بل اعتبرته بالنصر المبين لها الذي حققه لها ترامب حامي حمى الأمة.

ناهيك عن أن القرار الذي أفصح عنه لا يلقى أي دعم حتى من داخل الولايات المتحدة نفسها، وهو الأمر نفسه الذي استنكرته الأمم المتحدة، وأعلنت عن أسفها لهذا القرار الذي يقوض جهود الحد من انتشار الأسلحة النووية في العالم، والاتحاد الأوروبي على لسان مفوضية الشئون الخارجية به، السفيرة موغريني من أن الاتحاد ماض في اتفاقه مع طهران.

ما الذي يدفع الخليج إلى أن يدعم مثل هذا القرار المخبول الأرعن؟ إلى أن اهتدى تفكيري إلى أن غشاوة التبعية والتقية السياسية من أولاد العم سام تجعل من صحاح البصر مكفوفين، لا يرون أين تتخندق مصالحهم، ومن أين تؤكل الكتف، هذا فضلًا عن التطرف والانزلاق في الصراع الطائفي السني الشيعي الذي تتلمس تل ابيب وواشنطن استغلاله على نحو براجماتي محض، إلا أن من يقبض على مقاليد الأمور هناك لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، أنه يقرع طبول الحرب التي ستقصم ظهره، إذا ما تمخض عن هذا القرار الكارثي صراع مسلح بين طهران والولايات المتحدة؛ بركونه إلى هذا القرار.

فقط عزيزي القارئ تأمل معي إن شنت حرب تخوضها الولايات المتحدة إلى جانب الكيان غير الشرعي المسمي إسرائيل على إيران، فكيف سترد إيران؟ بكل تأكيد سيضحى أول الأهداف الاستراتيجية التي ستضعها طهران نصب أعينها القواعد الأمريكية في الخليج العربي، حينها سيقصف سلاح الجوي الإيراني علي طريقة الأرض المحروقة، فلن تفرق بين ما هو أمريكي، ولا من هو خليجي، فقد ورد في المثل (يا جاي على قوتي يا ناوي على موتي). من هنا تأتي خطورة ما يقوم به طويل العمر من سكب الزيت على النار، يجب على كل من لا زال يحتفظ ببصيص من خلد أو فطنة وتريس داخل الخليج أن يضع حدًا لسلسلة المكايدات السياسية التي أفرزتها المشاحنات بين سلطات الخليج وسلطة 1979 في إيران، حتى نخمد حربًا شعواء ستقضي على الأخضر واليابس والحجر والشجر.. يا سادة لا تقرعوا طبول الحرب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد