«قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ». (النمل- 69)

ماذا يفيد الظالم من ظلمه، ما الذي يجنيه حقًّا؟ سؤال طاف بخاطرها وجعلها تتعجب وهي تسأل: ألا يرون مصارع من سبقوهم؟ ألا يفكرون في مستقبل أيامهم وما سيحصلون عليه من كره الناس وثورتهم ضدهم ومحاولتهم قتلهم وإنهاء بطشهم؟ سؤال أزعج من لم تشاهد ظلم الظالمين إلا في صورة وخبر فكيف بمن ذاق هذا الظلم وأحرقته نيرانه!

وهو سؤال جدير بالتأمل تجيب عنه آيات ربنا الكثيرة، المسطورة والمنظورة، فقد فضحت الآيات هذا الصنف من الناس وبينت أن أحد أسباب طغيانه هو شعوره بالاستغناء والقوة:

«كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ»، وهي قوة موهومة رأينا بأعيننا تهافتها حين داست الأقدام طغاة ظنوا أنفسهم آلهة لها الأمر والحكم.

وهذا الشعور بالاستغناء وتوهم القدرة النافذة يغلق منافذ السمع والبصر والاعتبار؛ فلا تجد سبيلًا إلى صاحبه بعد أن صار قلبه قطعة صماء مظلمة لا أثر للحياة بها، ولا أمل في النفاذ إليها، ولم يصل إلى تلك الظلمة المتراكبة إلا بعدما أحاطت به وتملكته علل النفس جميعها، فلم يبق فيه موضع يبصر حقًّا، أو يتسلل إليه ذرة من ضوء، مع ذلك القلب المأفون ينسى الظالم يومًا وُعد به للقضاء والفصل ورد المظالم، ينسى أو لا يُؤمِن أصلًا، وإن ادعى بلسانه غير ذلك.

لقد طلبتُ من سائلتي أن تسترجع أول صفة ذكرها الله للمتقين في كتابه، وهي الإيمان بالغيب، ذلك الإيمان الذي هو أساس لكل ما يأتي بعده، إنه ما جاء به الرسول الكريم لغرسه في القلوب قبل أي أمر ونهي، فلمَ كان هذا قاعدة الإيمان وركنه الذي لا يتم إلا به؟ إنه لأجل أن ينتفي ذلك الطغيان، إنه لكي يدرك أنه ليس إلهًا واجب الطاعة في كل ما يأتي ويدع، وليس مخولًا لقهر الناس إذا أرادوا رفع رؤوسهم قليلًا، ذلك الإيمان يرده إلى عقله إذا دعاه لأن يرتكب أيًّا من تلك الجرائم فيتمنع ويذكر وقوفه للحساب على كل روح أزهقت وكل مظلمة تأذى منها صاحبها، فإذا انتفى ذلك الإيمان أو طُمس فلا ضمير يردع، ولا قلب حي يذّكر، وهكذا نرى الطغاة في كل عصر لا تحركهم موعظة ولا تؤثر فيهم حادثة أو يخوفهم مصير أشباههم.

فإذا لم يكن من يتولى الأمر من السواء النفسي والقدرة الذاتية على ضبط نفسه ومعرفة حدوده -وهو ما يحدث مع غالب البشر ممن لم تزكو نفوسهم فتخضع لسلطان الله- جاء دور من يلي أمرهم من الناس بالمحاسبة والوقوف أمام ظلمه واستبداده بالأمر، لذلك جاءت الآيات والأحاديث صريحة بعدم الركون إلى الظالم ورده عن ظلمه، إذ إنه يختبر مع أول ميل له عن الحق والعدل قبول الناس له ورضاهم منه فإن آنس منهم خوفًا وتعظيمًا؛ مضى سادرًا لا يعبأ بأحد حتى يزداد في طغيانه، ويرى نفسه الأعلى والأوحد في القمة؛ بينما رعيته على السفح صغار في حاجة لرعايته وإحسانه، ويا ليته يحسن أو يتواضع ويرعى؛ بل إنه حين أغواه عقله الفارغ واستبد به جنون السلطة صدّق ما كذب به على نفسه وعلى الناس؛ فظن أن استعلاءه عليهم وقهره لهم رعاية ومنة!

فالطغيان إذن تُشيد أركانه من نفوس مريضة امتلكت قوة وسلطانًا وهي لم تعرف الله حقًّا ولم تؤدِ له واجبًا، ونفوس أخرى خانعة ذليلة لم تقدر الله حق قدره؛ فخافت ممن بيده سلطان الدنيا لا الآخرة.

أما إذا كان الطغيان قد تكامل بنياته وارتفعت لبناته خلال عقود متصلة؛ صار هدمه لا تكفيه كلمة حق ولا شغل مؤقت، بل صار بحاجة إلى طاقة كبرى وعمل متواصل يبدأ صغيرًا ليشتد ويقوى مع الأيام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد