إنك إذا تأملت هذا العالم بفكرك وجدته كالبيت المبني، المُعد فيه جميع ما يُحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدوة كالبساط، والنجوم منصوبة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكل شيء من ذلك معد مهيأ لشأنه، والإنسان كالملك للبيت، المخول لما فيه، فضروب النبات لمآربه، وأصناف الحيوانات مصروفة في مصالحه.

ألا ترى الجبال كأنها أوتاد تثبت الأرض؟

ثم تفكر ترى السماء كالأب والأرض كالأم: ينزل المطر من صلب السماء إلى رحم الأرض، فيتولد منها أنواع النبات. ولولا الهواء لكان نزول المطر صب في مكان واحد وعلى جهة واحدة لكن الخالق العظيم جعل الهواء سببًا في نثر حبات المطر إلى كل الجهات حيث قدر وشاء. وانظر كيف يأتي الليل ثم يخلفه النهار وكيف تتعاقب الفصول بنظام محكم متقن، أفلا تتفكرون؟

خلق سبحانه السماء وجعل لونها أشد الألوان موافقة للأبصار وتقوية لها، ولو كانت أشعة أو أنوارًا لأضرت الناظر إليها. لكن النظر إلى الزرقة أو الخضرة موافق للأبصار، وذلك من رحمة الله وحكمته.

وإنك إذا نظرت إلى مستقرك وهو الأرض، وأجلت فكرك فيها وأطلت النظر في استرسال ذهنك فيما فيها وعليها من جبال شامخات، وما أحيط بها من بحار زاخرات وما جرى فيها من الأنهار، وما أنبت فيها من أصناف النباتات والأشجار، وما بث فيها من الدواب، إلى غير ذلك مما يعتبر به أولو الألباب.

ثم إذا نظرت إلى سعتها وبُعد أكنافها، وعلمت عجز الخلائق عن الإحاطة بجميع جهاتها وأطرافها، ثم إذا نظرت فيما ذكره العلماء من نسبة هذا الخلق العظيم إلى السماء، وأن الأرض وما فيها بالنسبة إلى السماء كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وما ذكره النظار من أن الشمس في قدرها تزيد على قدر الأرض مائة ونيفًا وستين جزءًا، وأن من الكواكب ما يزيد على الأرض مائة مرة، ثم إنك ترى هذه النيرات كلها من شمس وقمر ونجوم قد حَوت السموات وهي مركوزة فيها، ففكر في السماء الحاوية لهذا القدر العظيم كيف يكون قدرها؟

ثم انظر كيف ترى الشمس والقمر والنجوم والسماء الجامعة لذلك في حدقة عينك مع صغرها، وبهذا تعرف بُعدَ هذا كله منك. وعِظم حركتها وأنت لا تحس بها ولا تدركها لبعدها. ثم إنك لا تشك أن الفلك يسير في لحظة قدر كوكب، فيكون سيره في لحظة قدر الأرض مائة مرة أو أكثر من ذلك وأنت غافل عن ذلك.

وانظر كيف جميع هذا الصنع العظيم ممسوك بغير عمد تُقله ولا علائق من فوقه ترفعه وتثبته، فمن نظر في ملكوت السماوات والأرض ونظر في ذلك بعقله ولبه، استفاد بذلك المعرفة بربه، والتعظيم لأمره، وليس للمتفكرين إلى غير ذلك سبيل، وكلما ردد العقل الموفق النظر والتفكر في عجائب الصنع وبدائع الخلق ازداد معرفة ويقينًا واذعانا لبارئه وتعظيمًا.

ثم الخلق في ذلك متفاوتون فكل مثال من ذلك على حسب ما وهبه له من نور العقل ونور الهداية، وأعظم شيء موصل إلى التفكر في كتاب الله المنظور هو تلاوة كتابه المسطور وتفهم ما ورد فيه وتدبر آياته. فهذا من باب معرفة الله واليقين بما عند الله.

ثم وفي أنفسكم أفلا تتفكرون؟

«وتحسب أنك جـِرمٌ صغير وفيك انطوى العالم الأكبر»، الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام.

الإنسان نسخة العالم المصغرة. جوارح الإنسان وأعضاؤه وعناصره تشير إلى حقائق كونية أرضية. فعظامه تنبئ عن أحجار الكون وصخوره وأشعاره توحي إلى نباتات الأرض وأشجارها والدم الجاري في جسمه والسوائل المختلفة المترشحة من عيونه وأنفه تخبر عن عيون الأرض وينابيعها ومياهها المعدنية، وفي أنفسكم أفلا تتفكرون؟ فستعجبون وتسجد عقولكم للحي القيوم ومن عرف نفسه بالنقائص عرف ربه بالكمالات والعبد عبد والرب، رب وهناك فارق بين المخلوق والخالق. وفي كل شيء في الوجود حكمة وإتقان. فسبحان الله العظيم وبحمده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد