هكذا كتب أحد سائقي الأجرة على ظهر سيارته.. لفتت تلك العبارةُ انتباهي لأمرين: الأول أنها عبارةٌ بليغة؛ وسرُّ بلاغتها أنها أوصلت المعنى المراد بأقل كلماتٍ ممكنة، بالإضافة إلى السجع والموسيقى البادية فيها! وهذا يعني أن البلاغة في الكلام ليست قاصرةً فقط على متقني الفصحى أو المتعلمين، بل هي موهبةٌ في توصيل المعاني أيا كانت لغة الخطاب فصحى، أم عامية، عربية أم غير عربية! الأمر الثاني وهو الأهم.. مقارنةٌ تفرض نفسها بين القانون الإلهي والقانون البشري وتوضح بجلاء أيهما أصلح لحكم الناس. فالقانون البشري يحكمه، في أغلب الأحيان، الهوى الذي يميل إلى الجَوْر والظلم والانتقام للنفس بأبشع الطرق، كان ذلك في الماضي منذ مئات السنين عندما قال الشاعر الجاهلي:

أَلا لا يجهلَنْ أحدٌ علينا
فنجهلَ فوق جهلِ الجاهلينَ!
ونشربُ إنْ وردنا الماءَ صَفوًا
ويشرب غيرُنا كَدَرًا وطينًا!

وهو نفس المعنى الذي عبر عنه سائق الأجرة اليوم بعبارة أكثر بلاغة، على الأقل في عدد الكلمات، الخربوش بخرطوش! والمعنى أن مَن يعتدي علينا ولو بخربوش فسوف نرد عليه بالخرطوش.. وقد يكون المعنى الذي أراده كونَه سائقَ سيارة أجرة؛ أن مَن يجرح سيارتي ولو بخربوش سيكون مصيرُه أن يُضرَبَ بخرطوش! وهو نفس المعنى المتداول على ألسنة الناس:

اللي يرشني بالمية أرشه بالدم!

هذا هو قانون البشر حين يسود.. رد فعل لا يتناسب أبدًا مع الفعل! إنه قانونٌ عاجز، في أغلب الأحيان، عن تقدير العواقب المترتبة على تطبيقه؛ كما أنه قد يحكمه الهوى الذي يُغَلِّبُ مصلحةَ فئةٍ على فئة أو قومٍ على قوم وذلك بحكم طبيعته البشرية التي يوجِّهُ سلوكَها العدلُ تارةً والمصالحُ والعواطفُ تاراتٍ أخرى!

أما قانون العقوبات الإلهي، فإنه مُنزهٌ عن كل ذلك؛ فلا ظُلْمَ ولا هَوى، والناسُ جميعًا أمامه سواء، لا مصلحةَ له مع أحدٍ منهم، ولا قرابةَ تجعله يميلُ إلى طائفةٍ دون أخرى، كما أنه مُدرِكٌ تمامًا لطبيعة هؤلاء البشر وما يناسبهم، فالله تعالى الذي خلقهم هو وحده أعلمُ بما يُصلحهم؛ وهو سبحانه وحده القادر على معرفة ما في المستقبل فَيُشَرِّعُ للحاضر والمستقبل أمامه مكشوف فيأتي تشريعه مبنيًّا على علمٍ تامٍ بعواقب الأمور؛ ولذلك فهو سبحانه وحده القادر على تشريع ما يضبط حركتهم ويحفظ نظامهم ويهديهم إلى ما فيه سعادتهم في الحاضر والمستقبل والدنيا والآخرة!

«ألا يعلم مَن خلق، وهو اللطيف الخبير؟» في صحيح الترمذي عن أُبَي بن كعب رضي الله عنه قال: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنْ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمِنْ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، فِيهِمْ حَمْزَةُ، فَمَثَّلَ المشركون بِهِمْ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: لَئِنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ يَوْمًا مِثْلَ هَذَا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ (أي لَنَزيدَنَّ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ» فهل رأى الناسُ قانونًا تجرد عن الهوى مثلَ قانونِ الله؟ وهل عرف الناسُ عدلًا كذلك الذي يدعو إليه الإسلام وكتابُ الإسلام الذي يقول أيضًا: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم».

ويقول: «وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مِثلُها، فَمَنْ عفا وأصلح فأجرُهُ على الله؛ إنه لا يحب الظالمين» إنه لا يكتفي بالأمر برد العقوبة بمثلها دون تجاوزٍ للحد فقط، بل يدعو إلى العفو ويَحُثُّ عليه ويَعِدُ العافين بالأجر الجزيل والثواب العظيم من رب العالمين، وبذلك يسمو بأخلاقهم ويرتفع بسلوكهم ويُشيعُ فيهِم المحبةَ، والتسامح، والتغافرَ، والتراحم! فشتان بين قانون البشر حين تحكمه الأهواء فينشر الظلمَ، ويثير الحقدَ، والغلَّ، والثأر.. وقانونِ الحَكَمِ العَدْلِ الذي ينشر العدلَ ويثير التسامح، والعفو، والرضا، والسلام.. فمتى يدرك الناس أن حل مشكلاتهم في أن يحكمهم قانونُ ربهم؟ «ومَنْ أحسنُ من الله حكمًا لقومٍ يوقنون»؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد