في جلسة نسائية حضرتها وجدت أن هذا المجتمع -الذي أنا منه- لا يخلو أبدا من قرارات وتحليلات فضائية تدعو أحيانا إلى البكاء وتارة إلى الضحك حدّ الفراغ.

 

 

 

 

فبينما اثنتان من الحاضرات انشغلتا بالحديث عن أحوال الجارة المطلقة، انشغلت اثنتان من صف آخر بالحديث عن مهر فلانة، وحمل الأخرى، وطلاق الثالثة، وكم تصرف فلانة على هندامها، وكم مرة تتسوق وهلمّ جرا.

 

 

 

 

كوني لا أحب تلك الجلسات -وغالبا ما كنت أتحجج بالدراسة كي أتجنبها– وجدت شابة أخرى يبدو أنها مثلي تكره ذلك، جلست جانبي تعبث بجهازها الجوال في عالم مقارب للذي أنا فيه تقريبا حتى اجتاحت إحدى المتطفلات الجلسة في أسئلة وقعت على المسكينة كوقع الرصاص في الجسد البليد، وبدأت رحلة الأسئلة من التحصيل الدراسي، إلى أسئلة عن البيت على وزن (تعرفين تطبخين؟ ساعة الاستيقاظ، التنظيف المنزلي وإلى آخره) مرورا بالسؤال عن مهنة الأب والإخوة وحياتهم العملية، وختاما بالسؤال (ماكو حواليك شي؟) تصنعت المسكينة عدم الفهم محاولة إحسان الظن، وأجابت (الله معي يا خالة).

 

 

 

و هنا بدأ حديث المشعوذين يتجلى بين جنبي كلامها عن فلانة التي (عندت إلى أن عنست) وفلانة التي ندمت على عصيان أمر والدتها (رحمها الله) في عزوفها عن الزواج.

 

 

 

 

أشارت إليّ للمشاركة في الحديث، إلا أني آثرت الصمت بعيدا عن حوار سفوسطائي لا يجني سوى المزيد من المتاعب.

 

 

 

 

 

 

في مجتمع كـالعراقي (وأظن المجتمع الشامي يدخل في هذه الخانة) شغله الشاغل السؤال عن فلانة، والتدخل في خصوصياتها تحت شعار (المحبة) تجد الانفكاكات بدأت تتضح، وتتجلى بين الوسط الشبابي بالتحديد، تجدهم ينفرون ممن يسطو على خصوصياته في الأسئلة المتكررة عن الخطوبة، والزواج، والحمل، والطلاق، والوظيفة، والمرتب وإلى آخره.

 

 

 

 

 

مع أن الأمر نسبي، ويختلف من شخص لآخر -إلا أن قدسية الخصوصيات هذه بدأت تتنافى في محاولات تهريج فيسبوكية، وتدخلات اجتماعية لا طائل لها

 

 

 

 

 

 

إلى متى يفقه هذا الكوكب الغريب أن هناك كائنات عليه شديدة الحساسية وأن الأسئلة الخرافية هذه من شأنها إيذاء أنثى حلمت بطفلها تحمله، ولم يكتب لها القدر ذلك بعد، وآخرين خططوا لحياة كاملة ولم يرزقوا بها إلى الآن؟

 

 

 

 

كم من الوقت نحتاجه لكي نفهم أن الأقدار بين يدي الله يقلبها كيف شاء وأن ازدراء هذا وشفقة ذاك لن تقدم إلا المزيد من السطحية لصاحبها؟

 

 

 

 

في خط موازٍ لهذا المثال تجد التدخل بخصوصيات الآخرين (تراث) تاريخي قديم تستنتجه من باب الحارة وما لفّ لفها.

 

 

 

 

الداية أم زكي (أم ستوري هذا العصر) مستعدة للدوران حول الأرض لا عليها في سبيل معرفة أخبار الناس والتدخل في حياتهم! وللأسف لم يترك لنا الإعلام خيارا في معرفة نهاية هذه الشمطاء لأنها حتما ستذكر الكائنات الهلامية هذا اليوم بنهايتهم!

 

 

 

 

 

 

 

القرارات الخاصة ترتهن عادة بظروف الشخص نفسه وقناعته، ونحن حتما لسنا وافقين مكانه، ساعتها حتى يحشر كل من هبّ ودبّ انفه فيما لا يعنيه!

 

 

 

 

 

 

حياة الناس ليست بحاجة إلى تعقيب من أحد، فمتى ستتوقف انعواجات الملامح عند كل شخص؟ متى سنتخلص من شعور الشفقة تجاه الآخرين وصبّ الشفقة وما شابهها في النفس ارتقاء بها من الانحطاط؟

 

 

 

 

 

 

المجتمع بات خانقا لكل ذي حلم!

 

 

 

 

 

الكل ذوو تجارب والكل ناصح والكل محب! متى نعود لتربة آدم الأولى؟

 

 

 

 

 

 

 

متى نقتنع أن الناس صنفان, صنف يمضي إلى العلا وصنف يلوك دم الآخرين كل مساء ويبقى في القاع؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد