يحدث أنه في نفس اللحظة التي تعرف فيها إنسانًا يسعى لإسعاد آخرين، أو تسمع بمن ينوي إنشاء مشروع غير ربحي لخدمة المحتاجين والفقراء، ومن يستعن بالله على قضاء يومه الشاق بالصبر والتحمل والسعي، أن يوجد من يجلس في مجلسه الفسيح مرتديًا زيه الأنيق، مخاطبًا جلساءه بشتى اللغات، يضع خططًا ويسطّر تقارير متناهية الدقة عن تدمير وهدم العالم.

يريد أن يحوله إلى كتلة حطام، وحفنة تراب لا يصلح فيها حتى الزرع، تخلفها القنابل النووية والذريةوالهيدروجينية، والأسلحة الكيميائية والقنابل العنقودية، القوانص، الحوارق، الصواعق، الخوارق، المدافع، والدروع.

ذلك لنعلم أنه ليس كل الناس سواء، ذلك الشخص الذي أقدم على إيذاء غيره هو في نفسه يظن أنه يخدم أمته، وبلده، ومنشأ رأسه، لكنه نسي أو تناسى أن منشأ رأسه هي الأرض ذاتها التي قد نوى تدميرها.

هؤلاء الناس الذين يظهرون للعلن في أبهى حُلة، أكثريتهم هم من ينغصون عيش العالم، يفسدون علىالناس حيواتهم، ويفسدون على أنفسهم آخرتهم.

لا يفعلون ذلك إلا لأمر عجيب في ظاهره الدفاع عن النفس، لكن في باطنه «البحث عن النشوة»؛ لأن مبدأ الدفاع عن النفس لا يصح في مثل ذلك من مقام، ولا يخيل لأحد أنه قد تصح الغاية منه ولا الوسيلة معه، لأنه وبكل بساطة: تدافع عن نفسك مِمَن؟

من أناس لا طاقة لهم بما تفعله أنت!

تضرب الفقراء، والمساكين، والمحتاجين بأسلحة لا تبقي ولا تذر، فتهلك الحرث والنسل، وتنهي حيواتهم، وترمل ما بقي من نسائهم وتتعس وتيتم أطفالهم من أجل الذهب أو البترول الذي تحويه أراضيهم ولا يعلمون عنه شيئًا! والحقيقة أنه أيًا كان السبب، فأي فعلٍ هذا؟

في غالب الأمر لا يفعل أحدهم ذلك إلا للبحث عن السعادة، السعادة التي تكمن في فعل ما لم يفعله من قبل، فحجم السطوة يزداد والغلبة تتضاعف والحس بالتمكن والسيطرة لابد أن يرتفع.

هم يفعلون ما تشيب له الولدان من أفعال في نظر كل سوي، لأنها بالنسبة لهم أحداثًا بسيطة، وكل ما يراه الإنسان الطبيعي شاقًا هو في نظرهم ضغطة زر. يأمر بقتل أحدهم فيُقتل، وأخرى تُطرد، وآخر يُسحل وطفل يُضرب، والكل يُعذَب.

هو لا ينظر للأرواح التي أزهقت، بقدر ما ينظر للقدرة على تنفيذ قراره. لا يلتفت لتاريخ البلاد وأثر مِنها، بل لا يشغله سوى حسه بالنشوة. وعلى هذا الحال يسير مبدأ النشوة، الفتاة التي لم تجد ما تأكل فيما سبق، لما فتح الله عليها، وتزوجت ثريًا ما انفكت تقيم حفل عيد ميلادها في الهواء، ذلك الذي لم تكن تعرف عنه فيما سبق في أي يوم كان! ولا تكترث حتى لذلك.

الشاب الذي لم يجد مكانًا يأويه في الماضي، صار يعير الناس بفقرهم ويتكبر عليهم بعد أن رزقه الله مالميتخيل.

من شرب المكيفات، صار لا يراها محرمة، فأصبح يسعى لما هو أعلى منها ليصل إلى منزلة أعلى من سريان الدوبامين في دمه.

أهل المال دَائمًا يحتاجون للنشوة، فلا نشوة في الشركات، والعقارات، والأسلحة، والساونا، والأماكن الفارهة، وكل ما لذ وطاب؛ لأنه متاح ومجرب، فيحاولون إيجادها في القتل والجنس الحرام، والتجاوزات التي هي فيعرفهم لا تسمى تجاوزات، بل هي ترويح عن النفس وتعاليًا على من حولهم وبحثًا عن السعادة، السعادة الرائفة.

ولهذا قال الله تعالى: «إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ. التغابن فاتقوا الله ما استطعتم. لذلك نرى سعادة الفقراء في تجمعات العائلة، والعودة للمنازل، لدخول البيت بأوقيةٍ من اللحم أو قطعٍ منالحلوى، بالقدرة على قضاء الأيام بلا دين أو قلق. لماذا؟ لأن هذا في عرفهم نادرًا ما يحدث أيضًا.

لذلك اسألوا الله تعالى تحقيق الأحلام والعيش في رخاء وزيادة النعم بلُطف.. فلا يرزقك طفلًا يتعسك في الحياة. ولا مالًا يشقيك وينسيك أن تهنأ. ولا حتى فكرة تكون هي السبب في تدمير حياة آخرين.

وربما لذلك أرى إن كان ڤان كوخ محقًا حينما قال: الحُزن سيدوم للأبد!

لماذا؟ لأنه لولا الحُزن ما عرف أحد معنى الفرح. فكل نقيض أتى للتدليل على شرف وحرمة النِعمة.

فما معنى الشجاعة إن انتفى الخوف؟ وما الغرض منها؟ لا شيء! إنما الشجاعة هي القدرة على التصرف مع وجود الخوف. تخيل عالمًا بلا شَر، كيف سيكون حال الخير فيه؟ شائع، متوفر، رخيص، لا يقدره أحد! لكن مع وجود الشر، يُفتقد الخير، فيقدّرهُ كل من يرى أقل قدر منه.

لذلك لن يتغير الحال، فالحزن دائم والفقر دائم والاحتياج دائم والشر دائم والخوف دائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، المهم هو أن كلًا منها بقدر.

قدر معلوم ووقت معلوم وكيفية معلومة. وعلم ذلك ليس لنا وإنما عند الله الملك الذي سبب الأسباب.

لا تكن من أهل الدوبامين واسعد بالقليل، فقليل نافع خير من كثير ضار.

دُمتم في معية الله أهلًا لكل جميل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد