منذ أن قرر زعيم الأعراب الجديد ثقافة الانفتاح، وتغيير الماضي المتشدد -حسب تعبيره- شن حملة ضارية ضد كل من يتوقع أن يقف في وجه مشروعه، وكان أول ضحاياه العلماء والدعاة الذين سيصعب عليه إخضاعهم، مع العلم أن بعضهم رحب بقدومه بناء على فهم مذهبهم في ضرورة مبايعة ولي الأمر والخضوع له، إلا أن يروا كفرًا بواحًا، مع أن معايير ذلك الكفر خضعت عند بعضهم لقواعد مكافحة الإرهاب أكثر منها للقواعد الفقهية والشرعية، المهم منذ صعود غلام الأعراب صارت الأمور أكثر وضوحًا من السابق.

إذ ظهرت ثلاثة توجهات لزعامة الأعراب الجديدة، الأول توجه داخلي يقضي بنسف الاتفاق المؤسس للكيان الأعرابي؛ والقاضي بضرورة تسليم رجال الدين بحكم الطاغية واعتباره ولي أمر لا يخالف، وفي المقابل إطلاق يد رجال الدين تبشيرًا برأيهم الخاص وطردًا للمذاهب الأخرى والتوجهات الأخرى، وساهم في ذلك طبيعة المجتمع الأعراب المحافظ، فاختلط الفقه والشرع بالعرف وعادات الأعراب، وتجلت تلك الصفقة في الاستفراد بإمامة الحرمين والخطابة فيهما، ثم ظهر نوع من الغرور أدى إلى ظهور جيل من الأعراب يرى في نفسه سيدًا للتدين في العالمين العربي والإسلامي، وكل مخالف يصنف أولًا قبل أن يرد عليه أو يفند رأيه، فأنت عند هذا الجيل إما ماتريديًّا أو أشعريًّا أو رافضيًّا أو زنديقًا أو فاسقًا، وكل هذا التصنيف ربما يكون لأنك ناقشت فقهيًا رأيًا يأخذون به أو يروجون له، هذا الغرور كان ناتجًا من التفرد ببلاد الحرمين وما ينشر فيها، وهنا يجب تسجيل ملاحظة تقضي بأن هذا التفرد والغرور نتج أيضًا عن المكانة العالية للحرمين في قلوب المسلمين حول العالم، وكون المعظم من العوام فإنهم لا يعلمون أن السديس المتباكي في الصلاة هو نفسه من يرى سيده وترامب قادة العالم نحو بر الأمان والسلام، وعليه فقس.

يبقى في الشأن الداخلي كيفية التغيير الداخلي، إذ يقتضي التغيير، كما أسلفنا، نسف الصفقة بين الدين والسياسة، وهذا يعني المجيء بسياسات وممارسات خارجة عن المألوف، وكاسرة للمتعارف عليه في المجتمع المحافظ، وهنا يأتي دور الحفلات الماجنة، وتغير قواعد الاختلاط في جرعة كبيرة من العلمنة ستؤدي حتمًا إلى انتكاسة وارتكاس يودي بالمجتمع، ويفكك لحمته، ويلغي أواصره.

التوجه الثاني كان التوجه الإقليمي؛ مما يعني إيجاد مكانة ريادية للطغاة الجدد، مما يعني بالضرورة إيجاد تحالفات وأقطاب جديدة، وهذا تجلى في محاولة الأعراب إعادة تشكيل الخارطة السياسية في المنطقة، وبما أن التحالفات والسياسة نفسها يحكمها المال السياسي؛ فإنك لن تجد كيانًا حرًا يخرج عن رغبات الأعراب الطغاة، فكانت محاولة تفكيك لبنان، وزيادة التغول في اليمن الخاضع للاحتلال الأعرابي، وتمكين طاغية مصر المنقلب، واللعب على الفجوة بين التشيع والسنة، وهنا تدخل العاطفة أكثر من الحكمة السياسية والحنكة، وبما أن معظم محاولات إيجاد تحالفات جديدة فشلت توجه الأعراب الطغاة إلى الكيان المحتل شريكًا جديدًا في المنطقة، فيما يصطلح عليه بالتطبيع، وهذا المدخل لا يولج إليه إلا من خلال الصراع بين الفلسطينيين والصهاينة، مما يعني تدخل الأعراب في شؤون القضية الفلسطينية بصورة فجة، فكانت أولى الخطوات بيع القدس لخطب ود الكيان الصهيوني ومن يعوله، وكأن الأعراب يمتلكون الحق في التكلم عنها عوضًا عن التصرف فيها، ومن ثم أطلقوا أبواقهم في المنطقة ليروجوا فكرة القبول بالأمر الواقع، وقبول المحتل الغاصب على أنه واحة الديمقراطية في المنطقة، في خطابات وترويجات تافهة لا يستحب ذكرها، وبما أن هذا المحور كان ضروريًا، تجد أن الأعراب الطغاة انتبهوا أخيرًا لما يملكون من مال سياسي، غير أنهم يستغلونه فيما يضرهم ولا ينفعهم، وغاب عنهم أن السياسة الحقة يصنعها الرواد الأحرار لا الأطفال السفهاء الصغار، وهنا عمدوا إلى محاربة كل حر في المنطقة ومن عجزوا عن تركيعه حبسوه وأطلقوا كلابهم في المنطقة على من لا تصلهم أيديهم، وربما في كلمة يمكن القول إن مغامرات الأعراب في المنطقة كشفت وجههم الحقيقي بقباحته وسماجته ودمامته، وهذه محطة ضرورية جدًا قبل التغيير الذي ننتظره في المنطقة والعالم أجمع، حيث لا مكان لمنتجات الاستعمار وربائبه في المنطقة.

يبقى التوجه الثالث لطغاة الأعراب وهو إيجاد شرعية دولية لحكمهم وممارساتهم، فكانت الخطوة الأولى دفع الجزية لترامب، ثم شرعنة الممارسات الديكتاتورية من قمع للحريات وسجن للمعارضين ومحاربة كل حر في الإقليم، وهذا يعني طلب الانخراط في الحرب العالمية ضد الإرهاب الذي لا نعرف له تعريفًا إلى الآن، والواقع يحصر الإرهاب حسب الممارسات العالمية في المسلمين السنة فقط، والجماعات المنبثقة عن الظلم الواقع عليهم، وهنا يكفي أن تقول إن فلانًا من الدعاة قريب فكريًا من جماعة ما؛ فيتخذ ذلك ذريعة لقتله أو حبسه حتى الموت، وما استشهاد العودة عنا ببعيد، ومحاربة الأعراب عبر المرتزقة التابعين لهم في اليمن وسوريا وكل بلد فيه حرب يأتي ضمن الوصف السابق، وهم يدعمون كل مكروه ومأفون راغب في السلطة والحكم، وكأنهم يحاربون سنة الله – تعالى- في التغيير ويريدون للباطل أن يبقى موجودًا وقويًّا وهذا ما لا يمكن تحققه.

يبقى في التوجه العالمي للأعراب ما يقعون ضحية له من ابتزاز فيما يتعلق بالوجه الآخر من معادلة الشر، ألا وهو التغول الفارسي الكسروي في المنطقة، وهنا تختلط كل توجهات الأعراب الطغاة فهم ينفقون جل مالهم لاقتناء الأسلحة لمحاربة الفرس، وينفقون الباقي في محاربة المحاور المتحالفة مع الفرس، ويدفعون الجزية للغرب وتحديدًا سيدتهم أمريكا لحمايتهم من الفرس، ويطلبون ود الكيان الصهيوني للعلة نفسها، وهنا تظهر المكانة الفعلية لطغاة الأعراب في المجتمع الدولي الذي يزعمون دورًا سياديًّا فيه، فهم ليسوا إلا مترفًا يحترم لماله وبذخه ويستغل في كل شيء؛ لأنه يملك المال لا الحنكة أو الدراية، فطغاة الأعراب يقتنون الأسلحة ليقتلوا الشعوب المسلمة ويسلم منهم الفرس، ويحاولون حل النزاعات ووأد الثورات بمالهم، في حين يمنعون الرأي في بلادهم، ولم ينتبهوا أنهم سيكونون رأس الحربة في قتال الفرس، والممولين لحربهم، والخاسرين والفرس سويًا لقوتهم المعادية للأمة، ونحن نتحدث هنا عن دور متكامل للأعراب والفرس وكأنهما وجهان لعملة رديئة واحدة.

إن امتلاك المال لا يعني الفهم، وامتلاك الإعلام المطبل لا يعني التأثير، وشراء الذمم لا يعني أن الشعوب تدين بالولاء، والتفرد بالحرمين لا يعني سيادية دينية على الأمة، وحكم الحجر أقرب لكم من السيادة والتأثير، وستذوون كما غيركم، ولكنكم تستعجلون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد