وهو إذ يكتب النوتات، يتخيل موتسارت، كمهووس، كل الطبول التي تقرع، تلك التي تستثني حالة من التصوف في نفسه، وهي تسرع في ملء المكان بموسيقاه، خارج نطاق البشر، وفي صميم طبيعته، داخل صالونه في فيينا، بلحظة إلهام خالية من الشوائب.

في شوارع سان بطرسبرج، ينطلق دوستويفسكي، متختل المشية، متذرعًا لما حوله، في تلك الليالي البيضاء، وربما الفقراء، وعلى غفلة من الخيال، ينتج من عبقرية خالدة، تلك الروائع المتينة من حياته.

من سالزبورغ إلى فيينا، رحلة معقدة.

رأى موتسارت النور في منتصف القرن الثامن عشر في سالزبورغ، لأب رعى مواهبه، وأثر في نفسيته أيما تأثر، في عمر صغير، زار فيه كطفل وهو يلفظ سنواته الأولى، ميونيخ، لاهاي، باريس، لندن، إيطاليا، حيث المنبع الأوبرالي، وحيث وفي رحلاته كلها، كان محط أنظار من رأوا فيه لحظة عبقرية تهرب من المستقبل البعيد.

حياة كهذه، نضجت فيها قوة خيال موتسارت، وبدائع ألحانه، أثنت عليها طبائع أبيه الميالة للموسيقى، من حظت منه بالتقدير الذي انتشر في بلاطات الحكام، ووصلت صداه لما أشبه أن يكون بتأثير العاصفة الشديدة في لحن فيفالدي الرعدي بسمفونية الفصول الأربعة.

تلك التي أيضًا، وبشبه أقرب لاستيلاء اليأس والتردد على حياته، مطلع سبعينيات القرن الثامن عشر، في رحلة الخروج من ظل الأساقفة، وبعد فشل في بعث الأمل لما اعتقده الشاب فرصة لحدوث تحول حقيقي في مساره، توفيت والدته بعد مرض شديد في طريق البحث عن الحياة.

حياة مريرة رهن فيها ما رهن من ممتلكاته، وعاش فيها سجين الهوامش، قد تكون، وفي لحظة ما تخللتها حياة أخرى من البذخ والإسراف، لم تدم طويلًا حتى انتهت إلى حياة المديونية والرهن، ألقت بموتسارت، ولمرة أخرى، بمتاعب العمل تحت وطأة رد حق كل أولئك الذين منحوه من ممتلكاتهم.

كانت الفترة الأخيرة لموتسارت على قيد الحياة، معقدةً، مليئة بالفجوات، لكنها أيضًا خلدت في ذاكرة التاريخ موسيقيًّا نادرًا، وإحدى ظواهر سلسلة قليلة الحدوث في وجود البشرية، حيث ألف في فترته ما قبل الوفاة بثلاث سنوات تقريبًا، سمفونيته رقم 40، تلك التي، وفيما بعد، غنتها فيروز تحت تسمية «يا أنا، يا أنا».

إذ تعد إحدى أشهر السمفونيات في تاريخ الموسيقى، وأشهرها له على الإطلاق، حيث مطلعها الذي يعلق، بسرعة في الذهن، ويمر، وإن في لحظة سهو، كخيال وإن لم يعرف صاحبه، فإنه يحمل النوستالجيا والذكريات، ليس هنا، بل حتى في أوسع نطاق لألحانه الأخرى التي بلغت ما يفوق الستمائة.

قبل النفاد، نحو بطرسبرغ!

مرت، وفي مطلع القرن التاسع عشر، ولادة فيودر هادئة لأبيه الطبيب ميخائيل، وأمه، المدعوة ماريا، حياة كانت فيه مربيته ألينا تلعب فيها دور الرواية قبل النوم، ذلك الهدوء الذي استمر لسنوات، قبل أن تفصح حياته عن أحداث متضاربة، بعد مرور وقت من إصداره لروايته الفقراء، التي حققت نجاحًا باهرًا في المجتمع الروسي آنذاك، ها هو ذا ينطلق ليؤمن بمواهبه، ويترك عمله، ليضع قدمه الأولى أديبًا، تلتها روايات أخرى، كصاحبة الأرض، البطل الصغير، نيتوتشكا نزفانوفا.. إلخ.

وهو، يجلس في رابطة بيتراشفيسكي، رفقة أصدقائه المعارضين لنظام الحكم، خطت حياته في وقت سريع نحو نهايتها، غير مدركة أن النهاية كانت متسعًا رحبًا لبداية أخرى نجت فيها من الإعدام بعد العفو، نظر عبرها فيودر على بعد قدم من الموت إلى الحقيقة، وأبصر أنه ولد مرة ثانية، وإن عبر لأخيه عبر رسائلهما وهو يقول: «هل تستطيع أن تتصور تلك اللحظة؟ من يستطيع أن يتصورها؟».

فقد تصور أن نموًّا يزدهر فيه، لم يلبث أن سرت دماؤه في أعماله اللاحقة، تفجرت عن روايات خالدة، روايات مليئة بالذكريات وصور سيبيريا الباردة وندبات السجن في الروح ومرض الصرع والأرق وحكايا الأصدقاء في أوقات معقدة، كانت مثل الفارق بين حياة فيودر الشاب إلى رحلة كانت مرتبة لتقسو على حياته وتهدم روحه ثم ما تلبث حتى تؤثثها.

روحه التي مرت بعذابات موت الأبناء، برهنه أشياءه، بكتابته وقت وفاة ابنته، روحه التي رأت حسد الأدباء، وانقلابات الحياة، تلك التي فقط اختزلتها كتابة رواية المقامر في أسابيع ليدفع عنه ديونه، ويخفف عنها مؤقتًا، ويبتعد بها عن كل آلامه، ويسترد بها عافيته لوقت وجيز.

فها هو هناك ولمرات ومرات، يستعيد نفس الاضطراب، كأن رواية المعطف التي كتبها غوغول، والذي يصفه فيودر بلحظة خروج الأدباء الروس آنذاك من خلاله، كأنه يرهنه لقريبه ليوفر عناء الأيام، وينطلق ليكتب.

معاناة، ديون، رهن، أبهرت في ثنائيتها التالية، قسوة.. وعلى السطر نفسه عبقرية، مرت على مظاهر الضيق، في تجليات الجريمة والعقاب، الأخوة كارامازوف، مذلون مهانون، الشياطين، المراهق، إلخ.. وكلها في نصف حياته الثاني، القلقِ، المشوش.

بين فيينا وسان بيطرسبرغ، لأنها الحياة!

توفي موتسارت أواخر القرن الثامن عشر، بسبب مرض الحمى الروماتزمية وفق عدة فرضيات، بينما لفظ فيودر أنفاسه الأخيرة بنهايات القرن التاسع عشر متأثرًا بمرض النفاخ الرئوي، حياتان وإن تفاوتتا في مظاهر قسوتها المتعددة بل وفي درجاتها بين الشخصيتين، فإنها انتهت إلى وضع ختم دقيق لمدى عبقرية ضغطتها الديون والأحداث المتسارعة، والمعاناة، وربما أيضًا، النفي من الآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد