إن الدموع يافرينكا عاجزةِ عن دفع الشقاء، لقد عرفتُ ذلك بالتجربة

رجل عجوز، وحيد في هذه الدنيا، قاسى من أنواع العذاب والامتهان ما يخجل أن يكتب به القلم عطفًا وشفقة على ذلك المسكين، الذي تفيض نفسه حبًا وحنانًا على كل من حوله للحد الذي قد يدفع نفسه إلى الشقاء دفعًا في سبيل مساعدة أحدهم. إنك تسرف في الأسى لأحزان الآخرين، وعلى هذا سوف تقضى حياتك كلها شقيًا تعيسًا إلى أبعد حدود الشقاء والتعاسة! ثم ها هي ذي فيرنكا، الفتاة الطيبة المُثقفة حلوة الروح، ولكن روحها دنسها الفقر وانتزعتها صنوف من الذل والامتهان، يتبادل العجوز وفيرنكا الرسائل على مدار طول الرواية، ليأخذنا دوستويفيسكي في رحلة نحو أرض الفقر المُضجع والآلالم الكئيبة المُوجعة.

قد يبادر إلى ذهنك عزيزي القارئ أنها ليست رواية ذات شأن بما رويناه مُسبقًا، ولكن سأُسدى إليك نصيحتي، إياك وإياك أن تظن أن دوستويفسكي يكتبُ فقط من اجل تسلية قرائه! لا يا عزيزى، إن دوستوفيسكي كما قال لنا الكاتب الكبير ستيفين زفايج: هو أول إنسان أعطانا فكرة عن الناس الذين هم نحن! دوستويفسكي إذًا ارادها ملحمة حول الفقر والمعاناة، أراد أن يفكَ الغشاوة عن قلوبنا وينتزعها؛ ليرينا أولئك المُعذبين الذين تجرعوا الحزن والألم حتى فاضت روحهم!

تبدأ الرواية ليعرفنا دوستويفسكي عن ذلك الشقي التعس ديفوشكين، فترتسم صورته لنا شيئًا فشيئًا مع تتابع الصفحات، شخص قليل الثقة بالنفس، بل إن شئت فقل منعدم الثقة! لفرط ما واجه من فقر وذل، لا يجد في تلك الحياة التعيسة سوى شيء واحد هو الذي ينعش روحه، شيئًا يجعله كما قال يقوم من نومه، ويذهب إلى العمل، ويكتب كل تلك الرسائل، وهذا الشيء هو فيرنكا، ولكن من هي فيرنكا؟ فيرنكا هي التوأم الروحي لديفوشكين في بؤسه وفقره، وكأن دوستويفسكي قد أراد أن يقول لنا: إن أصحاب الشقاء وحدهم هم القادرون على مساعدة بعضهم البعض!

فيرنكا تلك الفتاة المسكينة التي ماتت أمها وأبوها، واألقيت في كنف امرأة مُتسلطة جهومة، لا تريد منها سوى أن تسومها سوء العذاب، فهي ذي تعبر عن كل ذلك الألم الذي ألم بها بكلماتٍ حزينةٍ تنتزع القلوب، ما من شيء في هذا الماضى إلا آلام مُبرحة وعذاب شديد، إن قلبي ليتمزق تمزقًا متى تذكرت، إن عيني لا تملكُ من الدموع ما يكفى للبكاء إلى آخر آيام حياتي مما نالني به الأشرار من أذى، وما ألحقوه بي من ضرر. وأخيرًا تجدُ ضالتها في ذلك العجوز المسكين الذي لا أمل له في تلك الحياة سوى أن يراها سعيدة راضية حتى لو تسبب ذلك بأن يذهب بنفسه إلى الجحيم!

دوستويفسكي بجانب مناقشته لقضية الفقر في تلك الرواية من خلال شخوصٍ متعددة أمثال ديفوشكين وفيرنكا، وأمثال ذلك الطالب المسكين بوكروفسكى، وأبيه الذي برع دوستوفيسكي في رسم مُعاناتهما لحد يجعلك تبكي من فرط الشفقة عليهما، فها هو ذا ذلك المشهد الحزين الذي يودع الأب فيه ابنه، فيجرى في ساحات المدينة لا يلوي على شيء فاقد اللب، يجرى خلف العربة التي تحملُ نعش ابنه، وتتساقط منه قبعته وتتساقط منه الكتب التي أخذها من مكتبة ابنه لتذكره به، ولا يلتفت إلى شيء، بل يظلُ يجري ويجري وراء تلك العربة والدموع تنهمر من عينه كانهمار ذلك المطر الذي يسقط على رأسه غزيرًا فيؤلمه، ولكنه تائه عن الدنيا بأسرها، ومن ثم تنضم إليه امرأة عجوز فقيرة مُعدمة تجرى معه وراء ذلك النعش، وكما قلنا من قبل كأن دوستويفسكي يريد أن يقول: لا يشعر بالفقراء سوى الفقراء!

وها هو ذا أيضًا ربُ الأسرة المسكين الذي يعيش مع العجوز ديفوشكين، ذلك الرجل الذي أضناه الفقر، وبلغ منه مبلغًا حتى لا تنفك تراه إلا وتجدُ الدموع تنهمر من عينه، في لقطة مُفجعة يفقد ذلك الرجل ابنه الصغير من شدة الفقر، ولا أظن يوجد كلام أبلغ، ولا أدق، كالذي وصف به دوستويفسكي تلك المآساة، أي بهجة يمكن أن يشعر بها المرء حين يرى طفلًا يتألم، وحين يكون هذا الطفل فلذة كبده، ثم هو لا يستطيع أن يدفع عنه الأذى، ولا أن يساعده في شيء! وبعدها يفقد الرجل حياته من شدة الفرح حينما يعلم أنه آن الآوان له أن يخرج من فقره!

وتستمر الرواية في إبراز شخصيات بلغ منها الفقر والذل مبلغًا عظيمًا، فبجانب صديق العجوز ديفوشكين في العمل، والذي يقاسي هو الآخر آلامًا لا يعلم بها سوى الله! إلى ذلك الطفل الذي يشحذ في جو مليء بالثلج مليء بالرياح، وهو يمشى هنا وهناك حافي القدمين، يُثير فيك منظره كل مشاعر الحب والشفقة! فينتهي دوستويفسكي من ذلك كله بمقولة: أعتقد أنها هي المقولة الأساسية التي تُعبر عن الرواية والفقراء المُعذبين خير تمثيل، لماذا تعيش النفوس الطيبة النبيلة في الشقاء والهجران، بينما لا يحتاج غيرها حتى إلى البحث عن السعادة؛ لأن السعادة تُلقي بنفسها بين ذراعيه!

الرواية أيضًًا لا تناقش قضايا الفقراء فحسب، فعلى الجانب الآخر نرى دوستويفسكي يحكى لنا أهمية القراءة والأدب على لسان بطله: إنه لأمر عجيب أن يستطيع امرؤ أن يعيش في هذا العالم من دون أن يخطر بباله أن هناك على مقربة منه كتابًا يقص فيه قصة حياتنا كلها، شاهد عيان! إن أمورًا من حياتي كانت خافية عل، غامضة في نفسي، فإذا هي تظهر لي شيئًا بعد شيء منبثقة من ذاكرتي أثناء قراءة هذه القصة، وإذ أنا أراها من جديد، وإذ أنا أفهمها أول مرة.

الأدب شيء عظيم يافارنكا، شيء جميل، عرفت هذا أول أمس. وهو شيء عميق، إنه يثبت القلب، ويثقف العقل، وما إلى ذلك، الأدب لوحة، أعني لوحة ومرآة، يجد فيه المرء أهواءً وتعبيرًا، ونقدًا مرهفًا غاية الرهافة، وتعاليم تقَوم الأخلاق.

ثم دعونا سريعًا نذهب إلى نهاية الرواية، تلك النهاية المُفجعة المُبكية، تلك النهاية التي يفترق فيها الأخوان والصديقان والرمزان على الأشقياء المُعذبين في الأرض، تفترق فيرنكا عن العجوز، فتذهب إلى أحد مُعذبيها في الماضى لتتزوج منه، وكأن الإنسان في ساعة الظُلمة يتشبث بأي نور حتى لو ذلك النور قد يؤدي به من قسوته وشدته إلى الذهاب بعينيه وروحه! وها هو العجوز المسكين الوحيد في هذه الحياة، الذي أحب الحياة بكل قلبه؛ لأن فيرنكا كانت فيها، وكانت تباركُ له حياته كلها، وهي التي وحدها كانت النور الصغير في مُحيط الظلام الذي يُحيط بذلك العجوز المسكين، فتراه يبكي وينفعل حينما يعلم أن الرسالة التي يكتبها إليها هي آخر رسالة وينشدُ تلك الكلمات الحزينة المُبكية، أهي آخر رسالة حقًا يا فرينكا بيننا! لقد أخذوكِ وسوف تسافرين، لو انتزعوا قلبي من صدري لكان ذلك أهون علىَّ من بعدك عني! لقد أحببتك أكثر من ضوء النهار، أحببتك كما لو كنتِ ابنتي، أحببت فيكِ كل شيء يا متوشكا، ومن أجلك إنما كنت أعيشُ على كل حال، من أجلكِ أنتِ وحدكِ كنتُ أعمل، وأنسخ وسائق، وأمشي، وأتنزه، وأكتب مشاعري على الورق رسائل صادقة، كل هذا لأنكِ كنتِ تسكنين قبالتي على مقربة مني، كيف يمكنكِ أن تسافري، كيف يمكنكِ أن تتركينا؟ تتركينني وحيدًا كما كنت!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد