لها وجود يمتد تاريخيًا لحقبة الأدارسة، إنها إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، فبرغم طابعها الحداثي المساير لنهضة المجتمع ورقيه على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، إلا أنها ظلت متمسكة بهيكلها العملياتي الموضوع سلفًا، فهي تعتبر في بنيتها آلية فعالة، وجهازًا شبه عسكري جد منظم في يد الدولة، يعمل تحت وصاية وزارة الاقتصاد والمالية، فبالإضافة لطابعها الجبائي- المالي المتمثل في استخلاص الحقوق الجمركية وتحصيل الرسوم الجبائية والعينية، إلا أنها تضطلع بأدوار أخرى حيوية تماشيًا مع التغيرات السوسيواقتصادية التي يشهدها العالم من حين لآخر، وتتمثل هذه الأدوار أساسًا في نقطتين مهمتين، ستشكلان موضوع طرحنا وهما كما يلي:

  •  تسهيل وتبسيط المساطر المرتبطة بالتجارة الخارجية.
  •  تأمين السلسلة اللوجيستية الدولية.

تجدر الإشارة إن كل هذا ينطوي أساسا من المنظور القانوني الاقتصادي تحث لواء المعاهدات والاتفاقيات المبرمة دوليًا، والتي يعتبر المغرب عضوًا فعالًا بها، كيف لا والمنظمة العالمية للتجارة (WTO/OMC) على سبيل المثال اختتمت فعاليات إنشاءها بمدينة مراكش المغربية سنة 1995 بعد مفاوضات وجولات ماراثونية.

تلعب إدارة الجمارك دورًا محوريًا في جلب الاستثمارات الخارجية، وفي إنعاش الاقتصاد الوطني وحمايته من الإغراق والتقليد، ولا ننسى الرفع من القدرة التنافسية للمقاولات المغربية خصوصًا فيما يتعلق بشق التصدير. سنحاول إذن في هذا المقال التطرق لدور إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة في تسهيل المبادلات الدولية، وتأمين سلسلة اللوجيستيك.

إدارة الجمارك المغربية.. نظام فعال لتسهيل عمليات التجارة الدولية

قامت الجمارك المغربية بمجموعة من التدابير، من أجل تبسيط مساطر التجارة، سنتناولها باختصار وسنركز على أهمها:

تبسيط المساطر التجارية– Facilitation du commerce، قامت إدارة الجمارك في هذا الإطار بعدة إصلاحات، خصوصًا فيما يتعلق بعملية رفع اليد لتسهيل مرور البضائع في الموانئ التجارية، أيضًا فيما يخص الشباك الوحيد (Guichet Unique) الذي يعتبر آلية منظمة تجمع جل الفاعلين الاقتصاديين في نقطة واحدة، لتدبير عمليتي الاستيراد والتصدير بشكل مرن، وترمي لتخفيض المصاريف المرتبطة بالخدمات اللوجيستية وضبط العمليات الإدارية الجمركية.

نظام المعلومات في خدمة التجارة الخارجية: يعتبر نظام المعلومات، من أهم ما يميز استراتيجية الجمارك المغربية في مجال المبادلات الدولية، حيث تعتبر الإدارة، رائدة إقليميًا في هذا المجال، باعتراف الهيئات الدولية، والأكثر من ذلك اليوم يقدم المغرب خبرته في المجال المعلوماتي لعدة دول أفريقية، سواء من خلال دورات وورشات تطبيقية أو محاضرات وندوات تكوينية، ويتجلى دور نظام المعلومات هذا، في عملية رقمنة المساطر التجارية بواسطة نظام «BADR» للتعشير الإلكتروني، مما يضمن الشفافية والمصداقية بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، إضافة لذلك ميزة السرعة في إنجاز العمليات الجمركية، فقط من خلال الحاسوب، مما يساهم في ترشيد التدبير الجمركي، علاوة على ذلك يتم تخفيض التكاليف اللوجيستية بشكل غير مباشر، مما ينعكس إيجابًا على القدرة التنافسية للشركات والمقاولات.

الأنظمة الاقتصادية الجمركية –Régime Économiques en Douane من أجل مواكبة المقاولات المغربية، وخصوصًا الصغرى والمتوسطة منها (PME)، وجعلها أكثر تنافسية، لجأت الجمارك المغربية للأنظمة الاقتصادية الجمركية، التي ترمي للرفع من القدرة التصديرية لهذه الشركات، فمثلا يمكن لمقاولة متخصصة في قطاع النسيج والألبسة، استيراد البضائع من الخارج، مع الاستفادة من عدة امتيازات، تتمثل عموما في الإعفاءات الجبائية الجمركية، لكن هذه الامتيازات تخضع لضوابط متعددة، قامت مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة، في التفصيل فيها باعتباره شرطًا أن تدخل هذه البضائع المستوردة تحث الأنظمة الاقتصادية في خلق منتوج جديد لإعادة تصديره خارج المغرب، وذلك وفق الضوابط القانونية الجمركية الموضوعة في هذا الصدد وهذا سيكون له انعكاس جد إيجابي على المنظومة الاقتصادية بشكل عام.

الجمارك المغربية.. ركيزة أساسية لتأمين سلسلة اللوجيستيك الدولي

لم تقتصر إدارة الجمارك المغربية، على تسهيل التجارة الدولية فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى تأمين سلسلة اللوجيستيك، حيت لا يمكن فصل هاذين الشقين عن بعضهما البعض فاللوجيستيك يتماشى مع التجارة العالمية،إذن أهم الإجراءات التطبيقية تتلخص فيما يلي:

المراقبة الجمركية: بعيدًا عن طابعها الجبائي الكلاسيكي، المثمتل في تخليص الجبايات والحقوق الجمركية على البضائع المستوردة من الخارج والتي تمثل حوالي %40 من ميزانية الدولة، تعمل الجمارك المغربية على مراقبة السلسلة اللوجيستية عبر الحدود في إطار عمليات الاستيراد والتصدير، من خلال جس نبض وسائل النقل، والشاحنات، والحاويات، ومعاينة السلع المحمولة بها، لضمان خلوها من الشبهات، وذلك في إطار النصوص القانونية المعمول بها دوليًا وإن حدث ووقع أي شيء مخالف لقواعد النظام الجمركي، فان مرتكب المخالفة يتعرض لعقوبات حسب نوع المخالفة قد تصل لحجز السلع بصفة نهائية، والجدير بالذكر أنه خلال السنة الماضية مكنت عملية المراقبة الجمارك المغربية من أرباح وصلت تقريبًا لحوالي مليار دولار.

الجمارك المغربية: شرطة اقتصادية لتأمين المبادلات الدولية: من خلال عملية المراقبة، تعمل الجمارك على تأمين المبادلات من خلال محاربة كل أشكال الغش عبر الحدود، والمثمتلة أساسًا في تجارة المخدرات، والتي شهدت في السنوات الأخيرة دينامية غير معهودة نظرًا لاحترافية أهل التخصص في التهريب ضمن الشبكات الدولية، لكن الجمارك المغربية أبانت عن احترافية عالية في التعامل مع هذا الملف، ففي السنة الماضية أحبطت الجمارك المغربية بميناء طنجة الضخم ما يقارب 19 طنًا من الحشيش الذي كان اتجاهه أوروبا، من جهة أخرى أيضًا ساهمت إدارة الجمارك في الحد من ظاهرة غسل وتبيض الأموال من خلال عدة إجراءات صارمة ترتكز أساسًا على تأهيل العون الجمركي عبر الحدود، وتزويده بالمعدات اللازمة للقيام بعمله بشكل يتماشى وقواعد مدونة الجمارك.

برنامج الفاعل الاقتصادي المعتمد (Opérateur Economique Agréé (OEA بعد المصادر الدولية تشير أن فكرة هذا البرنامج دخلت حيز التنفيد منذ أحداث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث إنه بسبب غياب الأمن اللوجيستي جرى إدخال المتفجرات لأمريكا ليقع ما وقع، عمومًا من المنظور الاقتصادي هذا البرنامج يلزم الفاعلين الاقتصاديين، من معشرين وشركات بالالتزام بمجموعة من القواعد التي أرستها المنظمة العالمية للجمارك (OMD)، المتمثلة أساسًا في احترام دفتر التحملات المتعلق بتسهيل التجارة وتأمين العمليات اللوجيستية، الفاعل الاقتصادي المعتمد هو مثال لمقاربة التعاون بين المنظومة الجمركية والفاعلين الاقتصاديين الخواص، قبل تطبيق هذا البرنامج لجأت الجمارك المغربية سنة 2006 لاستراتيجية معروفة بـ(Catégorisation) من أجل تحسيس المقاولات المغربية بأهمية اعتماد هذا النظام، قبل تعميمه في طابعه الشمولي كما جاء في توصيات منظمة الجمارك العالمية، وبالفعل كانت خطوة ذكية من الجمارك المغربية وقد أعطى ذلك أكله حيث نجد اليوم التزام مجموعة من الشركات بهذا الرنامج كآلية لتأمين وتسهيل مساطر التجارة الدولية لكن ما زالت هنالك تحديات ورهانات وجب التطرق إليها فيما يخص هذا البرنامج.

مؤخرًا اعتمدت الجمارك المغربية سياسة المنظمة العالمية للجمارك المعروفة بـDouane de 21 Siécle والتي تهدف لتسهيل التجارة الخارجية وتعزيز الأمن عبر الحدود عن طريق اللوجيستيك بالإضافة لإشكالية تدبير المخاطر التي تشكل اليوم صلب الاهتمامات الدولية، وفقًا للتقارير الدولية التي يتم إصدارها سنويًا فإنها لا تكاد تخلو من عبارات الثناء والتقدير الموجهة لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة المغربية على عملها في إرساء قواعد تسهيل المبادلات وحماية السلسلة اللوجيستية وتأمينها، وهذا ما جعل المغرب يتصدر منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط ممثلًا في إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، فالمغرب منذ سنة 2008 وهو على رأس المنظمة العالمية للجمارك ممثلًا لدول شمال أفريقيا والشرق الأوسط المعروفة بمنطقة MENA، الجمارك المغربية ترأست الجمع العام 125/126 لمنظمة الجمارك والذي أفرز عدة إشكاليات سبق التطرق إليها مسبقًا مرتبطة بالخصوص باللوجيستيك والتجارة العالمية كل هذه العوامل تتداخل فيما بينها من أجل تعزيز موقع المغرب في المنظومة الاقتصادية الدولية التي تتميز بالراسمالية المتوحشة والتي تحتقر الاقتصاديات الضعيفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد