تصدر هاشتاج مقاطعة المنتجات الفرنسية كما تصدر هاشتاج إلا رسول الله، والبداية كانت من فرنسا التي أصرت على أن تستفز مشاعر ما يقارب ملياري مسلم على وجه الأرض؛ مما تسبب بردود فعل فردية وجماعية، وتطرف وتباين في الآراء وانقسام في الشارع الفرنسي والشارع الإسلامي، وأبرز ما أنوي الإشارة إليه في مقالتي هذه:

ازدواجية المعايير الفرنسية والتعامل مع المسلمين بغير ما يتم التعامل مع غيرهم، فما يحدث في فرنسا الآن وإصرار الحكومة الفرنسية على أن الإساءة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولمشاعر المسلمين حرية يعيد لذاكرتنا ملاحقة القضاء الفرنسي، روبير فوريسون، الذي شكك بالمحرقة اليهودية، في عام 2006.(1)، ففرنسا إحدى الدول التي تضع قوانين صارمة لمن يحاول التشكيك أو إنكار الهولوكوست.

وفي عام 2019 نشبت حرب كلامية بين الرئيس الفرنسي والرئيس البرازيلي، حيث تفاعل الرئيس البرازيلي بولسونارو عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك» مع منشور يسخر من شكل بريجيت ماكرون (67 عاما) التي تظهر في صورة تقارنها بالسيدة البرازيلية الأولى، ميشيل بولسانورو (37 عاما)، مع تعليق «الآن تفهمون لماذا يقوم ماكرون بملاحقة بولسونارو؛ إنها الغيرة»(2)، مما تسبب بإنزعاج الرئيس الفرنسي، واعتبار تصريحات الرئيس البرازيلي بأنها مسببة للخجل.

التناقض في التصريحات والتصرفات الفرنسية يظهر جليًّا إذا ما قارن القارئ بين الحوادث التي تتعلق بالمسلمين وبين الحوادث التي تتعلق بغير المسلمين، فإذا كان الاستهزاء والسخرية من الآخرين هو من كمال وتمام الحريات، فما الداعي لانزعاج ماكرون إذا ما أساء أي إنسان لزوجته؟ وإذا كانت حرية التعبير والتفكير من كمال وتمام الحريات، فما الداعي لملاحقة المفكر الفرنسي الذي شكك بالهولوكوست؟

جاء الهاشتاج نتيجة إصرار فرنسا على دعم الصور المسيئة للرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، بدلًا من معاقبة من يقوم بهكذا أفعال لتجنيب الجميع عواقب صراعات طائفية قد تعود على فرنسا نفسها بالوبال؛ إذ يوجد في فرنسا اليوم نحو 6 ملايين فرنسي مسلم، وهو ما يعادل نسبة 9% من تعداد السكان، كما يعد الدين الإسلامي هو الدين الثاني في فرنسا، وبعدد مساجد
6912 مسجدًا.(5) ومع إشارة العديد من الدراسات إلى أن العدد في تزايد مستمر لعاملين أساسيين: الهجرة واعتناق الفرنسيين للإسلام.
فالحملة على المسلمين هي حملة على مكون من مكونات المجتمع الفرنسي، حملة ضمن ما أسماه ماكرون «الإسلام الانفصالي» مما خلف رفضًا واستهجانًا قد أبداه مسلمو فرنسا على وصف الإسلام بالانفصالي.

سبقت حادثة قتل الأستاذ الفرنسي تصريحات فرنسية، وإذا ما تحدثنا عن الرد على ماكرون وتصريحاته الأخرى عن الإسلام الذي يعيش في أزمة، على حد تعبيره، فالموضوع مُخجل والرد يكاد يقارب الصفر، وأبرز من تصدر للرد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي صرَّح قائلًا: ماكرون يهاجم الإسلام للتغطية على الأزمة التي تعيشها فرنسا وسياساته الفاشلة.
واستمر قائلًا: حديث الرئيس الفرنسي عن إعادة هيكلة الإسلام وقاحة وقلة أدب.
وأضاف: تصريح ماكرون بأن «الإسلام متأزم» في مدينة ذات كثافة سكانية مسلمة استفزاز صريح، فضلًا عن كونه قلة احترام.

الوضع الراهن يجعلنا نترقب الأحداث بين فعل ورد فعل، فإلى أين تتجه فرنسا؟ وما مصير مسلمي فرنسا في المستقبل؟ وهل سنشهد عودة لمحاكم التفتيش في الأندلس بحلَّة عصرية؟ وهل نرى تصادمًا تركيًّا فرنسيًّا في مقتبل الأيام؛ لاختلاف الطرفين وتبادل الاتهامات قبل الحادثة وبعدها؟

سيناريوهات عديدة وطرق مختلفة وتوقعات متضاربة، في حرب ماكرون المعلنة، وكأنه إعلان لعصر جديد في فرنسا عنوانه: لا مكان للإسلام والمسلمين في فرنسا الجديدة.

مع التنويه والتأكيد أن ثمة إعلان إسلام آخر ترتضيه فرنسا وغيرها من الدول، وهو ما أسموه بالإسلام المعتدل وما نسميِّه بالمسلم «الكيوت».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد