ربك.. رب قلوب ونوايا

قد تزداد القيود على الكلمات فنحتاج إلى حنجرة أوسع وآذان أكبر ليصطحب الواحد منا أحلامه إلى فخ العتمة، فنمارس الصمت أو الانتظار حتى نعود إلى رشدنا، أو يمارس علينا التشكيك بنبض عفن، أو بضحكات منخورة على شفاه لا تخجل.

بهذه الكلمات أو أكثر قليلًا، تأخذين مصابيح الخيام على سطح تفاحة لتشرح جوع المشككين، وبعض حروف لتفكيك شيفرة عيونهم الفارغة، في وقت نحتاج فيه إلى التسامح أكثر من أي وقت مضى.

لا أعلم ما الذي أصاب هذا المجتمع من التيه ليحمل ثقافة الشك والتشكيك في كل شيء، ويحمل من عقد سوء الظن والتقزيم أكثر من المنطق، لتصبح اللامعيارية الطريقة الوحيدة في الحكم على البنيات.

من منا لم يتعرض للتشكيك، أو الإقصاء، أو التهميش، أو التقزيم؟ من منا لم يوسوس له شيطانه، وغيرته أن ينتقد غيره من أجل النقد فقط؟ تكاد تصدم بعمق ما أقول، عندما تتأمل سلوكيات العديد منا، أو من أفراد المجتمع، وتتذكر ما سمعت من عبارات التشكيك حول أي عمل أو أداء تقوم به، إلى الحد الذي قد يحكم على العمل قبل القيام به، فظن الناس بالغني أنه لص، وظنوا بالناجح أنه محظوظ غير كفء، وظنوا بالأصحاب أن بينهم مصالح، وظنوا بذوي النعم أنهم جاءوا بها بطريق غير مشروع، وظنوا بالميت أنه ورّث أبناءه الخير الكثير، وظنوا بالتي لم تتزوج أن فيها ما فيها، وظنوا بالمطلقة أنها اقترفت من الذنب ما لا يغتفر، وشككوا في الكاتب قبل أن يكتب، وحكموا بالفشل على تجربة الباحث قبل إجرائها، وحكموا على المحلل السياسي بضبابية رؤيته قبل أن يتحدث، وما إلى ذلك من الرؤى التي لا تنظر بعين الرضا لأي عمل.

كل هذا وأكثر يدخل في دائرة ثقافة الشك التي ينتج عنها اختلال موازين القيمة عند المجتمع، وتكوين صورة ذهنية مزيفة حول الكثير من الأشياء والأشخاص. ورغم قناعتي بصحة الاختلاف في الحياة وقبول النقد، فإن ما يعيب ثقافة الشكل أنها تحكم على النيات وليس على مدلول الفعل، وتكون نية التعاطي مع الفعل سلبية دائمًا.

قد تجد أن هذه الثقافة لا تخص فئة معينة من المجتمع، فتجدها بين النساء والرجال والمثقفين والمتعلمين، والنخب السياسية والأكاديمية، الأمر الذي قد يشعرك بأنك على غير يقين بما يدور حولك.

ولهذه الثقافة سبب ونتيجة، وعلى غير المعتاد سأبدأ بالنتيجة، التي قد يحصدها الانتهازيون تجار الصراعات الفوضوية الذين يصطادون في الماء العكر، فيتسلقون إلى ما لا يستحقون، مستغلين الصورة الذهنية السيئة لمصالحهم الخبيثة. أما السبب، فلا أعتقد أن هناك سببًا أكثر عمقًا من عدم قبول الآخر، والإقصاء، ورفض التعددية بأشكالها، وتعظيم خطاب الكراهية الذي تصاعدت وتيرته بعد الانقسام السياسي، على خلفيات حزبية امتدت بعد انعكاسات الانقسام إلى خلفيات اجتماعية واقتصادية ذهبت إلى ما هو أبعد من خلال التكفير والإخراج من الملة.

خطاب الكراهية الذي يبث حالة من الرفض الشديد للآخر أو الجماعة بعينه أو للمنتمين إليها، فيكرس التمييز، وتهميش القوانين التي أساسها القاعدة القانونية «لا عقوبة إلا بنص»، وتقويض الحريات وقضم الهمم وتثبيطها، ويفشل أي محاولة للإبداع.

ولعل من الملاحظ أن مواقع التواصل الاجتماعي رغم إيجابيتها، قد ساعدت على توسيع دائرة خطاب الكراهية، فلا يكاد ينشر خبر أو فيديو، يأخذ صدى أو يكون ذا أهمية، أو يعالج مشكلة حيوية، إلا وتجد المحللين والمتفلسفين الذين يمارسون التقزيم، أو القدح، أو الذم، أو التشكيك في صاحبه دون الرجوع إليه، فيؤولون ويفسرون ما لا يخطر على البال.

ولأن السياسيين وأصحاب القرار ورؤساء الأحزاب والدعاة لم ينجحوا في القضاء على خطاب الكراهية، ولم يدفعوا بأفعالهم الناس إلى إحسان الظن، والتفاؤل وتمني الخير للآخرين باعتبار أن الخير الذي ينال شخصًا معينًا سينعكس بصورة غير مباشرة على المجتمع وجميع أفراده، وجب أن نربي أبناءنا في المؤسسات التربوية على مبدأ رئيس وهو: «ربك رب قلوب ونوايا»؛ بمعنى أن للناس ظاهر الأشياء أما النوايا فعلى الله حسابها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد