قرأت منشورًا يتضمن عبارة قصيرة من كلمتين «العلم مُلحد» . لا أعلم إن كان صاحب المنشور يقصد الحياد أم الإلحاد، أظن (والظن هنا هدية) أن صاحبه يريد أن يقول إن العلم مُحايد، ولكن أخطأ بسوء الطوية فقال «العلم ملحد».

أن يقول المرء إن العلم مُلحد، فهذا يعني أن العلم لا يرتبط بالإيمان، أي إنه لا يؤمن إلا بالملموس، ولكن لا أعتقد أن صاحب المنشور قد سمع بالأزمة الإبستيمولوجية التي فجَّرها دافيد هيوم فيما يخص الاستقراء العلمي.

فحتى ولو وضع كارل بوبر قواعد لتحديد علمية النظريات، فإنه لم يحل أزمة الارتباط الميتافيزيقي بين السبب والنتيجة التي يقوم عليها العلوم. بمعنى أن العلم يقوم على إيمان بمسلمة ضرورية هي: «الحدث إن تكرر في الحدوث بعد حدث آخر، فإن هذا الأخير هو علة الأول». والاقتناع قائم فقط على تتابع الحدثين دون وجود سند يؤكد أن هذا التتابع يكفي لجعل الحدث الأول علة الآخر.

هاته من جهة، من جهة أخرى، العلم حين لم يستطيع أن يجيب عن أسئلة مُهمة مثل «لماذا هذا النظام الكوني بهذا الشكل من التصميم؟ لماذا بعد الانفجار العظيم تشكلت طاقتان متضادتان، إحداهما معاكسة للأخرى؛ إذ تُساهم الأولى في تباعد المادة الكونية والثانية، والتي هي الجاذبية، تعمل على تجميع المادة. فهاتان الطاقتان بينهما علاقة متناسبة سمحت بوجود إمكانية لتشكل النجوم والكواكب والأقمار، وأعطت للأرض ذاك الموقع الذي يبعد عن الشمس بمسافة مناسبة بشكل لا يُصدق، إن زادت إلى الأمام أو الخلف مبتعدة عن محورها الفلكي بسنتمترات قليلة، فإن الحياة لن تظهر عليها أبدًا؟

فالأرض ليست فقط في مكانها المناسب، بل تملك بالقرب منها مجسمًا مهمًّا، يعده العلماء أهم عنصر ساهم في تشكيل الغلاف الجوي، الذي لولاه لما ظهرت الحياة أبدًا كما نراها الآن على الأرض، وهذا المجسم هو القمر.

حين لم يستطع العلم أن يجيب عن سبب تشكل النظام الكوني بهذا التصميم الخارق، وضعوا فرضية «الأكوان المتوازية» و آمنوا بها. فهي مجرد فرضية غير مستدل عليها أبدًا، مثلها مثل وجود الكائنات الفضائية.

فرضية الأكوان المتوازية هي فرضية، تدعي وجود ما لا نهاية من الأكوان إلى جانب كوننا، وهذا يعني حدوث الكثير من المحاولات العشوائية المختلفة، التي ولدت الكثير من الأكوان الفوضوية والغريبة، والتي قادت في الأخير إلى ظهور كوننا بهذا النظام، وهذا شبيه برمي النرد بتكرار المحاولات إلى أن يسقط على الوجه المطلوب.

بمعنى أن النظام الذي نراه في كوننا، ما هو إلا نظام كوني إلى جانب مالانهاية من الأنظمة الكونية الغريبة التي سبقت كوننا. ودون أن أستعمل نصل أُوكَام هنا، فسأقول «من رمى النرد أصلًا؟».

فنظرية الانفجار العظيم التي تع. نظرية، تقوم على أسسها النسبية العامة لإنشتاين، هي نظرية تتحدث عن «ما بعد الانفجار» ولا تُعطينا أية فكرة عن اللحظة الأولى للانفجار؛ كيف حدث في اللامكان واللازمان من نقطة متناهية في الصغر ولامتناهية في الطاقة. لا تخبرنا عما كان قبل الانفجار، كل ما تتحدث عنه هو أن الانفجار حدث والكون ظهر.

لكن من المسؤول عن الانفجار؟ هل الانفجار حدث من تلقاء ذاته؟ ولكن لماذا حدث أصلًا؟ ما الدافع الذي زرع الطاقة اللامتناهية في تلك النقطة الصغيرة جدًّا أصغر من الكوارك بل أكثر بكثير؟ لماذا ظهرت تلك الطاقة هناك ومن أين ظهرت؟ كيف حدث أن تحولت تلك الطاقة إلى قوة انفجارية؟ كم سنة ظلت هناك قبل أن تنفجرة فجأة؟ هل كانت تحمل في جوفها قوانين الفيزياء التي مهدت لظهور الكون بهذا النظام؟

كل هذه الأسئلة لا يهتم بها العلم، لأن الأخير في خدمة الإرادة كما قال شوبنهاور، العلم دوره هو أن يحافظ على حياة الإنسان، ويكيفها مع الطبيعة ولا يهتم بالحقيقة (لهذا لا داعي لأن أُورط في هذا الموضوع آراء نيتشه وهسرل وجون بول سارتر ومارتن هيدجر).

أما إن مررنا إلى نظرية التطور التي يتبجح بها الملحدون، مع أن نظرية التطور كمنهجية علمية، ساهمت في تطوير العلم البيولوجي ولكن جرى استعمالها بطريقة مذهبية ضد الإيمان.

لا جدال في المنهجية التطورية. ومن يكفر بها فهو ساذج، لأن العلم الطبيعي الحديث لا إمكانية له بدونها. أما المذهب التطوري الذي يُعمِم مبادئ النظرية على الوجود، فإنه يقع في مشكلات كثيرة، فهو يقول إن أصل الحياة انطلق من خلية واحدة في بركة بدائية في موقع فوق الأرض، و من هاته الخلية ظهرت خلايا أخرى بفعل الانقسام وتطور الأمر بتلاقي الخلايا لتظهر الكائنات المجهرية متعددة الخلايا، فاستمر الأمر إلى أن ظهرت كائنات مائية ثم برمائيات والزواحف ثم الطيور، فباقي الكائنات وصولًا إلى الرئيسيات التي تضم القردة والإنسان الأول. وهذا لم يكن تسلسلًا خطيًّا، كما يعتقد الكثيرون، بل هو عبارة عن تفرعات نعتها تشارلز داروين بـ«شجرة الحياة».

دون أن نُكَذِّب هذا الطرح، سنضع بعض الأسئلة النقدية بعلمية وموضوعية؛ كيف ظهرت الخلية الأولى، التي تُعد مادة حية، كيف ظهرت من مادة غير حية؟ ودون أن ننسى أن الخلية ليست مجرد مادة حية بسيطة بل هي عالم قائم بذاته، فما يحدث داخلها مُثير للدهشة، فمجرد الحديث عن دور الميتوكوندريا سيُثير استغراب أي عاقل. دون الخوض في تركيبات الكروموسومات التي تُعطي خريطة الحياة للخلية. فكيف لهاته الخلية التي تحمل هذا النظام المثير، أن تتشكل من مادة ميِّتة بالصدفة؟

أضف إلى هذا تلك الهوة الموجودة في الطبقات الحفرية للمستحثات؛ إذ لم يجد العلماء عددًا مهمًّا من الحيوانات الانتقالية التي تربط بين حيوان من نوع معين ونوع آخر؟

أما إن ذكرنا مسألة الانفجار الكمبري الذي يعد من أكبر الأزمات المثيرة في عالم النظرية، فهذا أمر جلل بالنسبة للنظرية. فالانفجار الكَمبري يُطلق على عصر جيولوجي ظهرت فيه كائنات مُعقدة التركيب مختلفة الشكل والبنية دون أن يكون هناك عهد سابق. فنظرية التطور تنفي ظهور الكائنات بدون سلم تطوري.

زد على هذا مشكلة «الوعي» التي لم يجد العلم لحدود الساعة أي تفسير عن تشكل الوعي انطلاق من تطور الدماغ، فما زالت الفرضيات تتخبط وتتهافت دون الوصول إلى دليل علمي يؤكد بروز الوعي من البنية والوظائف العصبية والهرمونية للدماغ.

إن الأمر مُعقد، والوجود غريب، وفوضوي، والعلم يضع بساطه الراهني (بلغة جيل دولوز) على هاته الفوضى لكي يفهم العالم، ولكن فهمه للعالم لا يتعلق بمسألة الوصول إلى الحقيقة، لأن العلم لا يسعى للحقيقة وإنما يسعى للمنفعة، لهذا يُمكن اعتبار العلم براجماتيًّا أداتيًّا ولذِّيًّا أنانيًّا، إنه مجرد وسيلة للوصول إلى رفاهية الإنسان، ومن جهة أخرى يمكن اعتباره سلاحًا عدميًّا، يهدد حياة الإنسان والأرض. فأسلحة الدمار الشامل، لم تسقط مع آدم من الجنة، ولم تظهر مع عيسى في العشاء الأخير، ولا مع بوذا تحت شجرة الكروم ولا مع محمد في غار حراء، وإنما ظهرت بعد نظرية أينشتاين والكوانتيم.

في الأخير، اعتبار العلم ملحدًا هو أمر غريب وفظيع، وكأن أحدهم قال «السكين قاتل، بمجرد أن هناك مجرمًا قد استخدمه» . فحتى ولو كان العلم يتعامل مع الملموس المادي فإنه يؤمن بمسلماته ويتغاضى عن أسئلة كثيرة. أما الإلحاد فهو مذهب وجودي يرى أن كل شيء مادي ولا وجود لمجال ما فوق مادي. والمذهب مجرد فهم للواقع وليس واقعًا، لأن حصر الوجود فقط فيما نستطيع الاحتكاك به ليس تأكيدًا علميًّا، وإنما هو دوكسا كهنوتية حديثة، فالنفي كالتأكيد تمامًا، أو لنقل أنه تأكيد سالب، لا يمكن الاستدلال عليهما معًا إلا بمنهجية علمية. وما دام ما ليس ماديًّا لا يمكن الحصول عليه، فهذا لا يعني أننا نستطيع تأكيد عدم وجوده، وإنما تأكيد أننا لا يمكن أن نؤكد وجوده علميًّا، وهنا الفرق، فما لا يوجود علميًّا، لا يعني عدم وجوده واقعيًّا. إن اعتبرنا الواقع لن ينحصر فقط في الوجود المادي.

إذن العلم وسيلة لرفاهية الإنسان وشقائه، و لا علاقة له بالإلحاد، فأصلًا كل رواد العلم، ككوبرنيكوس وباسكال ونيوتن وداروين وأينشتاين لم يكونوا ملحدين، فما الذي يجعل العلم يرتبط بالإلحاد، فإن كان العلم محايدًا فالإلحاد ليس محايدًا، لأنه إيديولوجيا. فكما لا يمكن أن نصف العلم بالوضعية أو بالليبرالية أو بالاشتراكية أو بالإنسانية فإننا لا يمكننا وصفه بالإلحاد. فالعلم منهج مادي يمكن أن يستعمله أي إنسان، كيفما كان توجهه وعقيدته، أما الإلحاد فهو مذهب مادي تتبنى فئة قليلة تؤمن بالصدفة. والصدفة ليست مادية وإنما هي كيان ميتافيزيقي كالعقل المطلق عند هيجل، كامنة خلف كل ما يحدث في العالم. فالصدفة إله الملحدين إذن.

صاحب المنشور (العلم ملحد) اعتمد على قياس أرسطوطالي غريب (العلم مادي، والملحد هو من يعتقد في المادة فقط، إذن العلم ملحد)، فهل هاته نتيجة علمية؟ هل هذا المنشور يمكن اعتباره علميًّا؟

هكذا نصل لنتيجة مفادها، أن المنشور مجرد دوكسا مثيرة للاستفزاز فقط، خرجت من مجال يعرف فوضوية سوداوية (الكايُوس)، تسعى لخلق نظام في نفسيتها بتبرير مذهبها وسط الكم الهائل والفوضوي للمذاهب. وذلك بتأكيد ذاتيتها انطلاقًا من تملُّك شيء لا يمكن تملُّكه إلا بالقوة والجهد وهو العلم. إذن هذه دوكسا خرجت من الكَايُوس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد