عادةً ما ترتبط معظم المناصب القيادية العليا والحساسة بالرجال لا سيما إذا كان هذا المنصب ذا طبيعة عسكرية ومختص بتسليح الجيوش والإشراف على تجهيزها للقتال، وتزداد صعوبة المنصب إذا كان هذا التسليح ذا طبيعة نووية أو بيولوجية، مع كل الزخم الذي صاحب البرنامج النووي والبيولوجي للدولة العراقية في التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة من كان يتخيل أن تكون سيدة وراء هذا البرنامج التسليحي الطموح للدولة العراقية في ذلك الوقت.

من هي السيدة هدى عمّاش؟

وُلدت الأكاديمية العراقية والعالمة المرموقة ببغداد في العام 1953، حصلت على درجة البكالوريوس في العلوم من جامعة بغداد والماجستير في الأحياء المجهرية من جامعة تكساس في الولايات المتحدة، كما حصلت على درجة الدكتوراه في مجال علم الأحياء الدقيقة من جامعة ميزوري بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم عادت للعراق وأشتغلت بالتدريس وأهتمت بتطوير البحث العلمي حتى حصلت على درجة الأستاذية من جامعة بغداد، ثم ترأست جمعية المايكروبيلوجيين أو جمعية الأحياء الدقيقة العراقية، إضافة إلى ذلك فهي عضو  في جمعية الكيمياء الحياتية البريطانية، كما حصلت على عضوية أكاديمية العلوم بولاية ميزوري بالولايات المتحدة الأمريكية، وانضمت كذلك للجمعية الأمريكية المايكروبيلوجيين.

دخولها المجال النووي والبيولوجي

بعد أن تحصلت على علومها منها اتهمتها الولايات المتحدة الأمريكية بمحاولة إحياء البرنامج النووي العراقي، وهو أول برنامج نووي عربي وثاني برنامج نووي لدولة إسلامية والذي جرى تدميره من قبل إسرائيل بعد أن أغارت على المفاعل النووي العراقي وقامت بتدميره، تدربت الدكتورة هدى عماش على يد عرّاب برنامج الأسلحة البيولوجية العراقية الدكتور ناصر الهنداوي.

في الوقت الذي بلغ فيه الجيش العراقي ذروة قوته وصار رابع أقوى جيش في العالم، حيث كان الاتحاد السوفييتي يحتل المرتبة الأولى تليه أمريكا ثم بريطانيا ثالثة، والجيش العراقي رابعًا ثم الجيش الفرنسي يأتي في المرتبة الخامسة بعد الجيش العراقي ،حسب الترتيب العالمي لقوة الجيوش في فترة حُكم الرئيس صدام حسين، وسط هذه القوة المفرطة له احتاج الجيش العراقي لقوة ناعمة لتروضه وتعمل على تحديثه وجعله الأول عالميًا فقام الرئيس صدام حسين بتكليف الدكتورة هدي عمّاش برئاسة وإدارة البرنامج التسليحي المتطور متضمنًا البرنامج البيولوجي للدولة العراقية، كما عملت على إعادة تسليح الجيش العراقي بعد حرب الخليج الأولى وتحقيق تفوق نَوعي له.

اهتمام الرئيس صدام بها أثار غيرة الجنرالات

كان يناديها بسيدتي ويقطع اجتماعاته الهامة مع كبار الشخصيات وقادة الجيش والجنرالات ليجتمع بها ويستمع إليها بإنصات، كانت المرأة الوحيدة ضمن الدائرة الضيقة للرئيس، مسموح لها بحضور اجتماعات مجلس الحرب وتدخل مكتبه بدون مواعيد مُسبقة وما أن يراها قادمة حتى ينتصب الرئيس واقفًا لتحيتها كيف لا وهي أمل الأمة وسبيلها من أجل تحقيق تفوق على مستوى قوة الجيش، هذا الأهتمام الرئاسي المبالغ ولّد غيرة الجنرالات تجاهها حتى لقبوها بقطة الرئيس صدام حسين المدللة التي أرعبت أمريكا وهي جالسة على مكتبها، وهو الأمر الذي فشلوا فيه وهم يحملون العلامات العسكرية على أكتافهم وتحت تصرفهم ترسانات الأسلحة المتطورة والصورايخ.

لماذا تكرهها أمريكا؟

سُئل الرئيس نيلسون مانديلا يومًا عند حديثه في إحدى الجامعات الأمريكية عن السر وراء علاقته القوية مع زعماء ورؤساء دول مثل فيدل كاسترو وصدام حسين ومعمر القذافي وهي شخصيات تصنفها الولايات المتحدة بأنها إرهابية فأجاب «الخطأ الذي يرتكبه البعض هو تصور أن أعداءهم يجب أن يكونوا أعداءنا أيضًا» وأضاف أن موقفه تجاه أي دولة أو شخصية يتوقف على موقفه تجاهه هو شخصيًا، كما يكره الطفل الصغير أن يرى غيره يتفوق عليه بامتلاكه ألعابًا أكبر وأكثر كذلك أمريكا تكره أن ترى غيرها يمتلك أسلحة أكبر وأكثر تطورًا.

بعد اتهام العراق الكاذب بامتلاكه لأسلحة الدمار الشامل والشروع في غزو العراق وضعت أمريكا قائمة بكبار الجنرالات والشخصيات العراقية المطلوب القبض عليها، تضمنت هذه القائمة 55 شخصًا كانت الدكتورة هدى عماش رقم 53 في هذه القائمة، بعد سقوط بغداد سلّمت نفسها طواعية للجيش الأمريكي.

 بعد خسارة ألمانيا للحرب العالمية قامت المخابرات الأمريكية باختطاف وتجنيد كل العلماء الألمان المتخصصين في مجال الصورايخ والفضاء والأسلحة المتطورة كان أبرزهم العالم الألماني «فيرنر فون براون» وهو المدير الفعلي لبرنامج الفضاء الأمريكي ومؤسس «ناسا» الحديثة ورائد وصول الإنسان للقمر.

بعد دخولها السجون الأمريكية في العراق حاول الأمريكيون استمالة الدكتورة هدى عماش للعمل في أمريكا ونقل أسرار البرنامج البيولوجي للعراق وتجربته المتقدمة لهم، ولكن مع إيمان السيدة هدى عماش العميق ووولائها المطلق للدولة العراقية حتى وهي تقع تحت الاحتلال رفضت التعاون مع عدوها وآثرت الاحتفاظ بكنزها الثمين المخبأ داخل عقلها وعدم البوح بالسر الذي أقسمت على التضحية فداء له، إن ما يُقلق الأمريكيين ويرعبهم ويجعلهم يخافونها ويخشونها ليس هو قوة شخصيتها وقوتها البدنية أو قُربها من الرئيس صدام حسين وإنما ذكاءها ومقدراتها العقلية وتفردها في مجال مهم مثل  علم الأحياء الدقيقة.

بعد أن فشلت إغراءات المال وامتيازات حمل الجواز الأمريكي والعيش الرغيد في ضاحية بيفرلي هيلز بالولايات المتحدة وسنوات التقاعد المرفهة والشيخوخة المترفة والموت على فراش وثير وسط أحفادها، بعد أن فشل كل هذا في أن يُضعِف إيمان الدكتورة هدى عمّاش قامت المخابرات الأمريكية بتدمير المدارك العقلية لها  وإتلاف دماغ الدكتورة الذي يحوي الكنز الثمين وأطلقوا سراحها وبعد أن قد فقدت عقلها وكتبوا على ملفها «لم تعد الآن تشكل خطرًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد