المُتابع لأحد الشيخين يعلم الخلاف الذي نشب بينهما – على صفحتهما في «فيسبوك» – عن موضوع «الإعجاز العددي في القرٱن الكريم» والأبحاث التي قام فيها الدكتور بسام جرار عن زوال دولة إسرائيل 2022، وتحذير د. إياد قنيبي من انتظار هذا التاريخ؛ كي لا نتوهم أن القرآن فيه خطأ.

الفكرة ليست في من أقرب إلى الحق بين الشيخين، الجميل أن أحدهما لم يشتم الآخر! ولم يصف أحدهما الآخر بالجهل والتخلف والرجعية!
تم طرح القضية بكل ود، وظل كل منهما متشبثًا برأيه، واحترم كل منها الآخر، والأجمل من هذا هو قول الشيخ بسام جرار: أنه ليس من اللائق أن يرد على القنيبي، وهو يعلم أنه يفيد الإسلام والمسلمين، ونشر الأخير فيديو يمتدح فيه أخلاق أخيه المسلم، وشاكرًا له حسن خلقه، وأن مثل هذا لا يصدر إلا عن نفس كريمة.
ونشر الشيخ سعيد فودة على صفحته في «فيسبوك» يثني على الشيخين ويقول: إن الدفاع عن أصول الإسلام الكبرى في هذا العصر هي الأصل الأعظم.

كم نشتاق لمثل هذه الأخلاق وأن يكون الخلاف في الرأي ضمن حدود الأدب والمنطق وطرح الأفكار، لا التشخيص والتجريح، فقد تغيرنا وأصبحنا نختلف ونتقاتل على كُل رأي وكُل خلاف وكُل قضية، فهذا مؤيد وذلك معارض وهذا مع، وذلك ضد، وأصبحنا نتناطح ليلًا ونهارًا وسرًا وعلانية.

الخلاف بين المسلمين جعل القضية الكبرى في ضياع، وتسلط علينا البر والفاجر وتكاتفت علينا الأمم لينالوا منا ويجعلونا في جهلنا وصراعنا مع أنفسنا.

إن أصحاب الرأي السديد يقدمون المصالح الكبرى على المصالح الأصغر منها، كي لا يخسر المسلمون أجمعون، ولا نكون غافلين عن ساحات النزاع الحقيقة التي هي ساحة لكل المسلمين على اختلاف مذاهبهم وآرائهم، وليس اختلاف مناطقهم ولهجاتهم.
وقد حذرنا الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم من الفرقة والاختلاف. أخرج البخاري في «صحيحه» عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: سَمعتُ رجُلًا قرأ آيةً، وسمِعتُ النَّبيَّ – صلى الله عليه وسلم – يَقْرَأُ خِلافها، فَجِئتُ به النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – فأخبرتُهُ، فَعرفْتُ في وَجههِ الكَراهيةَ، وقال: (كِلاكُما مُحْسِنٌ، ولا تَخْتَلفوا؛ فإنَّ مَن كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) (1).

إن الفرقة تجعل الأمة كأنها أشلاء متناثرة، كلٌ همه نفسه ودولته ومذهبه، ولا يكترث لباقي الأمة الإسلامية وهموها وما يحصل من هجمات لها.

يشكل الإسلام ثاني أكبر ديانة في العالم، وعدد المسلمين عام 2015 يقارب 1.9 مليار مسلم حول العالم (2)، ومع ذلك لا تجد لهم قوة تذكر بالقدر الذي يعبر عن أعدادهم، وليس نشاط موحد يجمعهم، فأين المسلمون كلهم عما يحصل لمسلمي ميانمار من قتل وتشريد واضطهاد؟
أثر كثير من الأفكار على إنتماء المسلم لدينه وشعوره بالحزن والأسى ووجب النصرة والفزعة لكل مسلم والذي وجب أن يكون بكل مسلم، فعن النعمان بن بشير – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله ﷺ: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (3).

ومن هذه الأفكار هي «القومية العربية» والتي أراد الإستعمار ترسيخها في داخل عقول العرب المسلمين، حتى يفقدهم روح الانتماء للأمة الإسلامية، وقد مزق الاستعمار منذ مطلع القرن العشرين بلاد العرب إلى أشلاء ودول مفرقة وحدود جعلت العربي يقلص حجم نخوته على قدر هذه الحدود ولا يتجاوزها إلى أبعد من ذلك. يقول المثل «فرق تسد» اختلافنا جعلهم سادة علينا.

لا بد من تنمية هذه المبادرة الجميلة جدًا بين الشيخين وجعلها ثقافة تنتشر بين الأجيال والعلماء والأفضال، حتى تكون خطوة من خطوات التغيير ونبذ الخلاف، واحترام الآراء، وتقدير جهود من دافع عن الإسلام وإن خالفناه في بعض المسائل، فالبشر متفاوتون في التفكير والقدرات العقلية وطريقة أخذ العلم، والتعصب يجعل الإنسان دائمًا في حالة حسد وغضب من الآخرين.
اختلف الأئمة الأربعة في بعض المسائل الفرعية في الإسلام، ومع ذلك حفظ كل منهم للآخر قدره ومكانته، وظهرت المذاهب الأربعة «الشافعية، الحنفية، الحنبلية، المالكية» دون اقتتال بين المسلمين، ومن جميل الشعر لدى الإمام الشافعي.
يروى أن الإمام أحمد مرض فزاره الشافعي، فمرض الشافعي ولما علم الإمام أحمد تماسك نفسه وزار الشافعي، فأنشد الشافعي يقول:
مرض الحبيب فزرته فمرضت من أسفي عليه
شُفي الحبيب فزارني فشفيت من نظري إليه

تقبل آراء الآخرين وتطلعاتهم، فقد تكون أنت على خطأ، وقد يكون الأمر في سعة ويحتمل الوجهين، والاثنان على صواب، خرجَ رجلانِ في سفَرٍ ؛ وحضرتِ الصَّلاةُ وليسَ معَهُما ماءٌ ؛ فتيمَّما فصلَّيا، ثمَّ وجدَ الماءَ في الوقتِ، فأعادَ أحدُهُما الصَّلاةَ، ولم يُعِدِ الآخرُ، ثمَّ أتَيا رسولَ اللَّهِ – صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ – فذكرا ذلِك، فقالَ للَّذي لم يُعِدْ: أصبتَ السُّنَّةَ، وأجزأتكَ صلاتُكَ، وقالَ للَّذي تَوضَّأ وأعادَ: لَكَ الأجرُ مرَّتَينِ (4).
في يوم الأحزاب، أمر الرسول – صلى الله عليهم وسلم – صحابته أن لا يصلي أحد العصر إلى في بني قريضة، فأدركتهم الصلاة وهم في الطريق، فاختلفوا رضوان الله عليهم.
قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ الأحْزَابِ: لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ فأدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ في الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حتَّى نَأْتِيَهَا، وقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذلكَ، فَذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ – صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ – فَلَمْ يُعَنِّفْ واحِدًا منهمْ (5).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد