(نظم الحكم لدينا ساقطة أخلاقيًا منذ أن بدأت بأول عملية تعذيب لمعتقل وقتلت أول مواطن ودبرت أول عملية تفجير لتبرير قمعها للمعارضة… واستوردت أول شحنة أسمدة مسرطنة وأدوية مغشوشة).

بتلك المقدمة النارية الملتهبة يفتتح الدكتور محمد محسوب مقالته المعنونة بـ(الطريق لتنحية الطاغية) والتي نشرها على الموقع الإلكتروني لهافينغتون بوست يوم الجمعة الموافق 12/2/2016.

الدكتور محمد محسوب هو أستاذ جامعي صاحب مكانة علمية مرموقة وهو واحد من أهم كوادر حزب الوسط، وكان قد شغل أحد المناصب الوزارية في عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي، وبعد سقوط الإخوان انضم محسوب لصف مؤيدي الشرعية وندد بالانقلاب العسكري مرارًا وتكرارًا، وأصبح واحدًا من القادة القلائل الباقين والذين نجوا من الاعتقال ونجحوا في الخروج من البلاد ليبدأ مع غيره في شن حملات إعلامية ضخمة على النظام الحاكم في مصر، متخذًا من الأبواق الإعلامية القطرية ومن بعدها التركية وسيلة له للمعارضة والتنديد والهجوم على الرئيس الحالي لمصر ونظامه.

وأعتقد أن مقال الدكتور محسوب الأخير والذي اقتبسنا من مقدمته في بداية الحديث، يستحق أن نقف أمامه طويلًا وأن نفكر فيما ورد فيه من معانٍ بعمق وروية، وذلك لاحتوائه على عدد من المضامين المهمة التي من الممكن أن تفيدنا في فهم ما حدث على الساحة السياسية في مصر خصوصًا، والمنطقة العربية عمومًا بدايةً من أوائل عام 2011م والذي تواكب معه اشتعال الثورات العربية وحتى الآن.

 

يحاول الدكتور محسوب في بداية مقاله أن يبرر صحة ادعائه بفساد النظام الحاكم في مصر، فيسوق الأدلة الآتية:-

  • تبديد معونة الخليج و600 مليار جنيه (وهو لا يذكر ماهيتهم بالضبط وإن كان أغلب الظن أنه قصد المبالغ التي أعلن رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات في وقت سابق عن ضياعهم واختفائهم في عمليات الفساد التي طالت أجهزة الدولة في العام المنقضي).
  • توقيع وثيقة سد النهضة.
  • تكشف مآسي مجزرة رابعة.
  • قتل الباحث الإيطالي (جوليو ريجيبني).

 

إذا ما حاولنا أن ننظر بعمق للأسباب الخمسة الماضية لتكشف لنا في الحال المشكلة الكبرى التي يعاني منها الإخوان ومن تابعهم وسار على دربهم من مؤيدي الشرعية ومناهضي الانقلاب.

فالأسباب التي يذكرها محسوب، هي أسباب منتقاة بدقة بالغة؛ فالفساد وإهدار الأموال من أقوى النقاط التي قد تؤثر في عقلية شعب تعاني أغلبيته من المشاكل الاقتصادية ومشاكل البطالة وندرة فرص العمل الحقيقية المتاحة.

وكما هي عادة الإخوان، فإن التقاط خبر عبثي كضياع 600 مليار جنيه وصرفها في أوجه الفساد والمحسوبية والرشوة سرعان ما يأخذ مكانه على المائدة الإعلامية الإخبارية الإخوانية، ويتم التعامل معه لا على كونه خبرًا غير منطقي وغير أكيد ويحتاج إلى الكثير من الوقت والأدلة لإثبات صحته والتأكد من حيثياته، بل إنه يعتبر حقيقة علمية عملية ثابتة لا يرتقي الشك إليها بحال من الأحوال ويتم التسويق للخبر في كل مكان وفي كل جريدة وموقع إخباري تابع للجماعة.

أما السبب الثاني الذي يسوقه محسوب لتأييد حجته، فهو توقيع اتفاقية سد النهضة وما سوف تؤدي تلك الاتفاقية إليه من ظلم لمصر والمصريين إلى الحد الذي سينتج عنه عطش الناس وجفاف أراضيهم وتدمير الحياة في البلاد تمامًا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هو الدور الذي قام به النظام الإخواني لعلاج تلك المشكلة الخطيرة؟

هل كانت هناك طرق مدروسة للتصدي لتلك الأزمة إبان فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، أم أن تلك الطرق لم تتعد الاجتماعات التقليدية الكلاسيكية والأفكار النمطية التي تمت إذاعة بعض منها على شاشات التلفاز دون أن يعرف الحضور ليضيف ذلك على المشهد العبثي لمحة ساخرة مضحكة؟

السبب الذي يسوقه محسوب بعد ذلك هو تكشف مآسي مجزرة رابعة.

انظر جيدا في الجملة التي ننقلها بنصها… (تكشف مآسي مجزرة رابعة).

ضع خطًّا بل ألف خط تحت كلمة تكشف.

هل كان ما حدث في رابعة مخفيًا أو مبهمًا ليصبح الكشف عنه سببًا ومبررًا لاشتعال الثورة ضد السيسي الآن؟

ألم يتم نقل أحداث فض الاعتصام على جميع القنوات الإخبارية الفضائية منها والأرضية؟

ألم يتابع الملايين أحداث الفض ساعة بساعة ولحظة بلحظة وهم يرون بأعينهم ما نتج عن عملية الفض من دمار وخراب ومذابح جماعية راح ضحيتها المئات من الأشخاص بحسب الرواية الحكومية، وارتفع ذلك العدد ليصل إلى الألوف في رواية الإخوان؟

وقبل كل تلك الأسئلة… ألم يتم فض اعتصام رابعة بعد أن قامت ملايين من الشعب المصري – الذي يطالبه دكتور محسوب الآن بالثورة – بتفويض السيسي للقضاء على كل إرهاب محتمل؟

أما السبب الأخير الذي يسوقه دكتور محسوب فهو مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيبني.

فعلى الرغم من عدم اكتمال التحقيقات المتعلقة بتلك الجريمة إلا أننا نجد أن دكتور محسوب قد سارع بإصدار حكمه عليها فقام بإلقاء التهمة على النظام الحاكم، واعتبر أن وزارة الداخلية المصرية هي التي قامت باحتجاز الشاب الإيطالي وتعذيبه ثم قتله في نهاية الأمر.

 

وبعد أن انتهينا من ذكر تلك الأسباب التي برر بها دكتور محسوب مطالبته للمصريين بالخروج على الطاغية (كما وصف النظام الحاكم في عنوان المقال) فإنه يجب أن نحاول أن نحلل تلك الأسباب جيدًا لنعرف كيف يتعامل الإخوان مع الأحداث الراهنة، وهل أثرت تجربة 30 يونيو 2013م وما بعدها عليهم وعلى فكرهم وعقيدتهم أم لا؟

 

الملاحظة الأولى

إن الأسباب التي احتج بها محسوب هي أسباب مادية بحتة فلا يوجد بينها سبب فكري أو عقائدي أو أيديولوجي واحد.

(إهدار مال – نقص مياه – تكشف حقائق مخفية – جريمة قتل) كلها أسباب يمكن لأي فصيل معارض أن يستخدمها ويتخذ منها ذريعة لمعارضة الحزب أو النظام الحاكم دون أن تكون لتلك الأسباب أي سمة أو ملمح أو علامة مميزة تميز الفصيل المعارض عن غيره من الفصائل.

فالأسباب السابقة من الممكن أن يستخدمها الديمقراطيون في معارضتهم للجمهوريين في الولايات المتحدة، كما أن من الممكن أن يستخدمها أعضاء حزب المحافظين في الاعتراض على سياسات حزب العمال في بريطانيا.

قد يتساءل قارئ متعجبا وما الضير في ذلك؟

أوليس من الطبيعي أن تتشابه أدلة وأساليب المعارضة ضد الأنظمة الحاكمة في كل زمان ومكان؟

إذا كانت الإجابة ببلى، فإنه إذن ليس من الغريب أن يستخدم الإخوان المعارضون الحجج والأسباب التي قد يتخذها غيرهم من الأحزاب المعارضة في أميركا وأوروبا وباقي دول العالم المتحضر.

وللإجابة على ذلك السؤال ننتقل إلى الملاحظة الثانية.

 

الملاحظة الثانية

هناك فارق كبير وواسع بين كونك تنتمي إلى حزب يعارض النظام الحاكم في دولتك، وفق أساليب قانونية سليمة مُغطاة بمظلة من الشرعية الدستورية، في مناخ سياسي صحي وسليم يسمح بالتعددية وقبول الآخر وحرية التعبير وإبداء الرأي؛ وأن تكون تنتمي إلى حزب معارض قد تم توجيه جميع أجهزة الدولة لاستئصاله وخلعه من جذوره وتدميره وسحقه تحت وطأة الآلة العسكرية بلا شفقة أو رحمة.

في الحالة الأولى من الممكن أن تمتلك رفاهية المعارضة خفيفة الظل التي يتعامل فيها المعارض مع النظام الحاكم على كونهما عضوين في لعبة الكراسي الموسيقية الدوارة، التي وإن سمحت للفصيل الأول اليوم بأن يجلس علي مقعد السلطة فإنها – بلا شك – سوف تسمح لمعارض اليوم أن يجلس غدا على مقعد صاحبه مبدلًا معه الأدوار في لعبة السياسة والحكم.

أما في الحالة الثانية فلا وجود لتلك الرفاهية، ذلك أنه لا وجود لقواعد أساسية للعبة يلتزم الجميع بها ويلعبون وفق نظامها.

فالقوة هي المعيار الوحيد للوصول إلى مقعد السلطة، أما ما دون ذلك من أشكال الديمقراطية ومظاهر الحرية السياسية فكلها مظاهر زائفة مثلها مثل مساحيق التجميل التي تزين بها الوجوه لإخفاء مظاهر القبح والدمامة، حتى إذا ما زالت ظهر الوجه القبيح الدميم مرة أخرى.

في الحالة الأولى يكون الصراع الدائر بين المعارض والحاكم (صراع حدود) فكل طرف يبحث عن تحقيق أكبر مكسب ممكن من الطرف الآخر، ودائما ما تتواجد نسبة مئوية لتقدير نجاح أي من الطرفين في تحقيق أهدافه وغاياته.

أما في الحالة الثانية، فالصراع الذي يدور بين الطرفين هو (صراع وجود) فكل طرف يسعى لتدمير الطرف الآخر لأن تدمير الآخر هو الحل الوحيد – بل هو الحل الأوحد – في البقاء والاستمرارية.

لذلك فإن الأسباب التي تذرع بها دكتور محسوب هي أسباب من الممكن أن تؤتي أكلها في بلد آخر يختلف عن بلدنا، أو في مناخ سياسي وأوضاع مجتمعية مختلفة عن أوضاعنا، أما أن يتصور دكتور محسوب ومن هم في صفه أن تلك الأسباب من الممكن أن تؤدي لقيام ثورة جديدة لتنحية الطاغية (على حسب تعبيره) فذلك وهم كبير وتقدير زائف للموقف الحالي.

يُتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد