كانت أمي، رحمها الله تصر على أن تقول في صغري صاحب هذه الكلمات:

ـ«الموت معه مشكاة منيرة، وضوء كاشف للأعماق فلا يختار إلا أصحاب الأنفس الأنقى»!

وكانت رحمة الله عليها تتنفس بعمق وتزيد:

ـكلنا ميت لكن السابقون إلى لقاء الله دائمًا أفضل مَنْ فينا!

رحمها الله إذ توفيت بين «ربوع» غربة إسطنبول المريرة، فعزّت كلمات العزاء على السادة الذين نسير معهم في مركب واحد، وافتعل أحدهم فوضى صغيرة يُعلل بها عدم إرسال رسالة لن يستطيع دفعها إذا جاءت، سلم الله الجميع.

شعور قوي ما يفتأ يهاجم صاحب هذه الكلمات آناء الليل وأطراف النهار، وهو يرى فوضى الجماعة العارمة التي تقض المضاجع في إسطنبول، مع شتاء الأخيرة القارص البرودة الذي ما يغادر إلا بروح نقية كأنقى ما في الجمع الذي خرج كله عاريًا من مصر، ليس معه إلا ما يستر عورته، وكنا نظن ونحسب أنهم سيعيدون حساباتهم مع أنفسهم، فيحاكمون مَنْ قاد عشرات الآلاف منهم إلى المهالك، وطوفان الدماء في مصر، وأصحاب القرارات المتسارعة التي لا ترضي الله، وتسير مع هوى الأشخاص والتابعين من ذوي الأغراض والإربة.

شعور قوي في الزنازين الانفرادية المفتوحة المسماة بالبيوت، إحساس ليل نهار يأكل العمر ويستدعي اليأس من الأحياء؛ ويزيد من شعور قوي بالإيمان بالله وحده، ولا عظيم في طوفان عالم اليوم إلاه.

أبت الذكرى التسعين لميلاد الجماعة على يد الإمام «حسن البنا» وقليل من المخلصين في القاهرة، إلا أن تمضي محيية الشعور الذي ما مات من الأساس في النفس، ولكنها كانت تحاور وتناور لتخفيه، وتفتعل الأحاديث مع الآخرين فيؤلمونها، وهم من الدائرة التي بعنا الدنيا لأجلهم، ولما يشتد الخناق حول الرقبة وتبدأ متاهة المشاعر وكلمات الداخل كان الإمام «أبو حنيفة النعمان» يقفز بشدة إلى الذهن، في ساعات الحوار المكتوب والمقروء، ولحظات التقاء العيون في الشارع، وعزوف النفس عن مصافحة البعض لعلمها بقدر الإساءة التي يتعمدونها اليوم، بدرجات، وتشتيت الناس بل سرقة الأفكار وادعاء الشرف وما هو أكثر، لحظات الرغبة العارمة في الكتابة وكف وامتناع الأصابع عن ملامسة لوحة الكتابة، والسؤال:

ـ «هل يبسط أبو حنيفة قدميه أم يضمهما؟!».

وكان، رحمه الله، جلس للدرس لما جاءه رجل كبير السن مهيب فجلس أمامه، فيما قدما الإمام تؤلمانه، ولا يريد بسطهما في وجه الرجل لشيبته، لكن الأخير لما سأل سؤالًا تافهًا يدل على قلة العقل، أجابه الإمام:

ـ آن (حان) لأبي حنيفة أن يبسط قدماه!

ومع الفارق كم نتحمل ألم قبض القدم، بل اليد عن الكتابة ألمًا من «سخافات» أناس تركنا لأجلهم الدنيا ـ كلها ـ وناصرناهم بكل ما في مسامنا من دماء، اللهم تقبل، ثم مع أقرب خلاف في الرأي، وعدم قدرة على تحمل ظلم واستبداد الانقلاب في مصر، وبحث قادة الإخوان في تركيا عن المناصب، من الطرفين والفريقين، اللهم إلا مَنْ رحم ربي، عن المنافع، وفي المقابل يترك كبير من كبراء فريق أعلن راية التجديد الحوار، ولا يرحم شيبته ليقول أنّا نفضحه، ولا يُسمي ولا يرى فعله وهرولته خلف لعاعة من لعاع الحياة الدنيا اسمها «الجنسية»، والشباب الذين يُنادي باسمهم هو وكبار المسؤولين يتضورون من القضايا التي تستوجب الإعدام في بلادهم، والجمع كلهم، «بربطة المعلم» يسعون خلف جنسية أخرى، إلا مَنْ عصم ربي، وهم مصرون على البقاء على وهم الدفاع عن المصريين، كيف وقد صاروا غير مصريين أو في الطريق إلى …

هذا مع الإعذار التام للمغلوبين على أمرهم من الشباب بالطبع إن سعوا خلف ما ينقذهم في تركيا، ولكن كان الأفيد للجميع لو سعى السادة المجددون من ذوي المناصب السابقة في مصر، وعلى رأسهم الوزراء والنواب والمحافظ، إلا من حفظ ربي، كان الأفيد لو سعوا خلف وثيقة كتلك التي كان يصدرها الملك الراحل «الحسين بن طلال» للفلسطينيين ليتجولوا بها في العالم، دون أن ينالوا الجنسية الأردنية، ولكن السادة الأفاضل يريدون الأمان لأهليهم جميعًا وليذهب الشباب إلى ربهم إن أرادوا، ورائدهم، رائد أصحاب الجنسية منصبًا والمفترض سنًا ينتقم ممن يعارض خطواته بإقصائه عن منبر رأي ملكه الله له مرحليًا في الدنيا.

في وسط هذا الطوفان والهاجس، ماذا لو داهم ملك الموت المختلفين في إسطنبول، فأينما تكونوا يدرككم الموت، وما الحياة في إسطنبول بطوق نجاة من الموت، فالأخير إن جاء سيقبض روح الفقراء والمشتتين والأصدقاء المرتفعي المكانة العلمية الذين باعوا الدنيا من أجل الجماعة فأقصاهم السادة عن العمل، ومن الجمع مَنْ يعيب سوء الأخلاق حتى إذا حكمته الأيام فيمن يكبره علمًا وسنًا أطاح به، كان الهاجس وما زال، ماذا لو ترك ملك الموت جيل الآباء والأمهات والجدود ليصيب الفرقاء في إسطنبول؟  هل يتعظ أمين الجماعة الخارج علينا منذ أيام قليلة ليزايد ويقول: «لا تراجع عن العمل السياسي، ولا حل مع «السيسي»، ولا مجرد تفاهم معه، ونحن منصورون برغمه»، فطالما الرجل منعم فليقل ما يريد، وفي المقابل يأتي صاحب جنسية «تامة .. تامة» ليقول إن رأيه إما التجديد أو الموت، وأفضل ما أتى به فريقه «المنفعة الشخصية» له ولأنداده من البائعين عن غير اضطرار أو حاجة للجنسية المصرية، وفي المنتصف تموت القضايا الكبرى وتدفن والأساتذة يهرولون خلف الأمن الشخصي الخاص بهم من القدامى والجدد، وكل له طريقته.

الشتاء الماضي لم يغادرنا إلا وقد انتقل لرحمة ربه المهندس «رضا عبد العزيز»، أحد مستشاري الدكتور «محمد مرسي» حينما كان في الرئاسة، وبعد مهزلة الاحتفال بتسعينية الجماعة إعلاميًا وكلمات الذين لا يغرمون شيئًا، بعدها بأقل من نهار واحد توفى الله وكيل النقابة العامة للصيدلة الدكتور «سيف الله إمام».

هل يعي القوم أن الموت أقرب إليهم من شراك ورباط نعالهم؟ فيكفون عن الاستحواذ على كل ما يستطيعون وما لا، ويتركون الجاه والأمان وسلطة البلاد الجديدة، مع الاحترام للأخيرين ورغبتهم في التخفيف عن المصريين دون أن يعرفهم الأخيرون الطريق الصحيح.

وهل بعد الموت وكفى به واعظًا يترك المنادون باستمرار اللحظة الراهنة غبش عدم الإبصار ليتقوا الله في الجمع بخاصة الفتيات والنساء والشباب ويبحثون عن حل؟ وهل يترك دعاة التجديد «حديث الجنسية»؟ وهل يترك كانزو الأموال من الطرفين حب الدنيا ويفيضون على المهجرين الفقراء مما أفاض الله عليهم؟ فلا يحتفظ الجميع إلا بما يقيم الأود ويستر العورة في مقابل انتظار حل لهذه المأساة المهزلة التي أدخلت الجماعة نفسها بنفسها فيه، أم أن «واعظ الموت» لا يأتي إلا للميت، والجمع هنا في هذا الشتاء الجديد المرير، ومن بعده زائر الصيف الخفيف يمصمص شفتيه، رحمة على المُغادر ويشربون القهوة سادة، ثم يواصلون المنافع والمزايدات.

رحم الله الراحلين «رضا عبد العزيز» و«سيف الله إمام»، وصبر أهليهما، ورحمنا من غربة وشتاء النفوس القارص قبل غربة الطقس في إسطنبول!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد