يتزامن تمرير قانون المالية لسنة 2020 السنوي بالمغرب، مع ظرفية عسيرة، تشهد حالة من الاحتقان الاجتماعي الصامت غير محمود العواقب، في ظل غياب شبه تام للوسطاء التقليديين بين الدولة والمجتمع في تخفيف حدة الاحتقان واحتواء الوضع، الذين أصبحوا منهمكين حول أنفسهم وحول فلك السلطة، ونسب نمو لا تكاد تصل كأقصى حد إلى 3%، دون الإغفال عن هشاشة القطاعات الحيوية للبلاد كالصحة، وغياب رؤية إصلاحية للمنظومة التعليمية والجامعية التي أعطبت وأفرغ محتواها المعرفي، ودورها التأطيري في تفعيل لمقتضيات قانون الإطار رقم 15.71  المشؤوم ، و«قطيعة تنموية» تكسر حاجز الفوارق الاجتماعية والمجالية والترابية بين المغاربة، وإغراق البلاد ورهنها في «مستنقع» من الديون وتحت رحمة المؤسسات الدولية، والتي سيتحمل تبعياتها الأجيال القادمة، وفق ما تشير إليه التقارير الرسمية للمؤسسات الحكومية وغير الحكومية والدولية أيضًا. 

ففي سنة 2017 أبلغ «إدريس جطو» خفاش سراديب الإدارة المغربية، ورئيس المجلس الأعلى للحسابات، الرأي العام المغربي، بالمديونية المفرطة التي باتت تهدد الدولة المغربية، التي وصلت كحجم إجمالي لمديونية القطاع العام إلى 97 مليار درهم في متَم سنة 2017، بزيادة ما قيمته 51.8 مليار درهم في ظرف سنة واحدة، بعد سنة واحدة على مشوار حكومة سعد الدين العثماني، التي أشرت إلى فشل ذريع لكل فرضيات و«وعود» الحكومة في تقليص نسبة المديونية نسبيًّا إلى 60%، لتقابلها بسياسة «تقشفية»، والإقدام على بيع عدد مهول من المقاولات العمومية، كبيع نصيب الدولة «باتصالات المغرب» للقطاع الخاص، والتي تتجاوز نسبة أسهمها 30%، وخصخصة جزء كبير من الخطوط الملكية المغربية، والمكتب الوطني للسكك الحديدية؛ للأجل سد العجز المالي، عوضًا عن البحث عن موارد أكثر فعالية ومردودية تسمح بتحمل أعباء الديون على المدى المتوسط والبعيد، كتوسعة الوعاء الجبائي وعدم تكديسه بضرائب تقليدية ثثقل كاهل الطبقات الهشة والمتوسطة، بفرض ضرائب الرأسمال  «ضريبة الثروة/ ضريبة الإرث.. إلخ»، وترشيد النفقات، لكن طبيعة النظام السياسي المغربي المغربي لا تخول له الذخول في مواجهة مع هذا «الوعاء» أم ذاك «اللوبي» أو «الباطرونات»، نظرًا إلى قوة ثأثير اللوبيات والباطرونات على طبيعة القرار السياسي والجبائي بالمغرب، الذين استفادوا على ممر من السنوات من إعفاءات جبائية استثنائية. 

إن «التعمق» في قراءة ما جاد به مشروع قانون المالية لسنة 2020، يحيلنا جليًّا إلى استمرار الدولة في نهج السياسات النيبوليبرالية، عبر سحب يدها مما تبقى من القطاعات الحيوية للبلاد، ورهنها بيد الرأسمال الأجنبي، وخصخصة الملك العمومي، وتمرد الدولة على إستقلالية السلطة القضائية ومقتضيات دستور 2011، من خلال ما نصت عليه المادة التاسعة على أنه «يتعين على الدائنيين الحاملين لأحكام قضائية تنفيدية نهائية ضد الدولة، أو الجماعات الترابية ومجموعاتها ألا يطالبوا بالأداء إلا أمام مصالح الأمر بالصرف للإدارة العمومية،في حالة صدور قضائي نهائي اكتسب قوة الشيء المقضى به، يدين الدولة بأداء مبلغ معين، يتعين الأمر بصرفه داخل أجل أقصاه ستون يومًا ابتداء من تاريخ تبليغ القرار القضائي السالف ذكره في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية.. إلخ، غير أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تخضع أموال وممتلكات الدولة للحجز لهذه الغاية «الأمر الذي يشكل خرقًا واضح المعالم لمبدأ المساواة أمام القانون، سواء تعلق اﻵمر بالأشخاص الذاتيين أو المعنويين، وفق ما تنص عليه مقتضيات المادة السادسة من الدستور، وضرب صريح في هامش المؤسسة القضائية ولنص الفصل 126 من الدستور الذي ينص على أن الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع، الأمر الذي أجج غضب عدة هيئات مدنية وقضائية، كهيئة قضاة ومحامين المغرب لعدم دستورية المادة، لأنه بعد الحسم القضائي بالتعويض عن الضرر للطرف المتضرر، تمتنع الدولة صراحة عن التنفيذ أو تعمد إلى الأداء على شكل دفعات تمتد إلى سنوات، حسب الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية،  ويُحرم طالب التنفيذ من سلوك مسطرة الحجز وفق ما تنص عليه مقتضيات المسطرة المدنية بعد الاعتداء المادي الذي لحقه بملكيته الخاصة، تحت دريعة المنفعة العامة، لتتحول الدولة إلى كائن متمرد يحجز عليك ولا سبيل للحجز عليه حتى بموجب قرار قضائي نافد.

دون الإغفال عن الامتيازات المادية التي ستطال النواب البرلمانيين، بمشروع القانون،  ومن ثم تسريحهم من الحكومة الحالية، وأثقلوا كاهل الميزانية بتسديد ما يقارب 10 أشهر عن إنهاء الخدمة، في كتلة الحقائب الوزارية التي تولوا مناصبها وتقاعد سمين، والذي صوت الأغلبية المطلقة بالإجماع عن رفض مقترح رفع ميزانية التعليم والصحة بمشروع قانون المالية، كرسالة مشفرة عن تعميق إقبار المدرسة العمومية التي أفرغت من محتواها المعرفي وتشجيع  زحف المدارس الخواص، بمقابل رفع في ميزانية القصور الملكية والقطاعات السيادية بالمملكة، وأيضًا الكم من الرسوم الضريبية التي ستعمق لا محال من الفوارق الاجتماعية، وإثقال كاهل الطبقة المتوسطة والهشة وسحقها، بمقابل ما يناهر 900 مليار درهما من الديون، والتي ستقبرنا لا محال تحت رحمة مؤسسة صندوق النقد الدولي والخضوع لقراراته «القاتلة» بنهج السياسات النيوليبرالية بسحب الدولة يدها عما تبقى من القطاعات الحيوية للبلاد ورهنها بيد الرأسمال الأجنبي، وما يستثمر يسدده نحو الديون، حتى سنصبح نجول حول فلك أن ننتج ونستدين بغاية تسديد بالأقساط، والذي ستتحمل تبعياته ظلمًا الأجيال القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد