تعتبر جميع الوسائط – بما فيها شاشة التلفاز – التي تبث الأعمال الدرامية المتنوعة منصة عرض للأفكار المختلفة السليمة والمضللة على حد سواء، وجزءًا لا يتجزء من كل بيت يؤثر في أفراده بدون استئذان. ولطالما اعتُبرت الدراما وسيلة لعكس وتجسيد أحداث الواقع وتجارب الإنسان الأليمة والمُفرحة، ومحاولة لتشكيل فهم أفضل للشعور الإنساني، وربما زيادة معرفتهم بخصوص كيفية تجنب التجارب التعيسة أو على الأقل كيفية التعامل معها ومعالجتها، كما يلجأ الأفراد من مختلف المنابت والأصول للدراما من أجل تعميق وتمكين معرفتهم عن بعضهم البعض، ولكن الدراما لم تقتصر على القيام بهذا الدور، بل انتقلت إلى ما يمكن أن نسميه مرحلة التلقين، فبدلًا عن أن تنقل كيف يعيش الشعوب، أصبحت تملي عليهم ما يجب القيام به أو الطريقة التي يجب عليهم عيش حياتهم بها؛ مما يُبرز خطورة الدراما في تسيير الرأي العام وتوجيهه وتمجيد المفاهيم المغلوطة ومهاجمة الشخصيات المؤثرة ومحاربة معتقدات دون أخرى.

لقد حصرت الدراما الحبيب المثالي بشكل الشاب الراكع الذي يحمل بيد خاتم الزواج ذا الألماسة وباقة ورد في اليد الأخرى، مثلما صورت الفتاة الجميلة ضمن معايير محددة تشمل الوزن واللغة المستخدمة وأساليب التعبير عن النفس واختيار الألوان ونوع الهوايات. كما ساهمت في توجيه الاعتقاد العام للشعوب عبر الزمن، فأصبحنا نعرف المجتمع السوري على أنه مجموعة بيوت شامية وجلسات نميمة نسوية وحمام شامي، والرجل المصري الحقيقي على أنه بلطجي يأكل حقوق الناس في حيّه، والمرأة الخليجية على أنها الزوجة المظلومة التي تسعى للطلاق أو الموظفة التي تسعى للتقرب من مديرها المتزوج، تمامًا كما أصبحت الصورة النمطية للمجتمع اللبناني متمثلة بقصص الغرام والاتيكيت والجمال الطبيعي والمصطنع، وأن قصص الزواج في المجتمع التركي تتمحور حول زواج فتاة غنية مدنية من شاب فقير ريفي أو العكس، مما يعني أن الدراما ربما بالغت في إبراز مظاهر مجتمع ما دون غيرها، والذي نتج عنه صورة مُفبركة مضللة في الأذهان. 

ولا تعني الأمثلة سالفة الذكر أننا نواجه أزمة شاشة عربية فقط، أو حتى ازمة شاشة شرق أوسطية، بل إن التحول في الدور الذي تؤديه الدراما، وما يشمله ذلك من مخاطر طال الأوساط الغربية الأجنبية، على سبيل المثال، تجد المواطن الأجنبي يمتلك صورة نمطية عن العرب بشكل عام، والمسلمين بشكل خاص، تنبع من استعراض بعض أعمال الدراما الغربية للمسلمين على أنهم فئة مجتمعية متشددة تطيل اللحى، وترتدي الأثواب، وتعيش في الصحراء، هذا لا يعني محاربة أو نقد الفئة التي تقوم بذلك فعلًا، لكن الجدير بالذكر هو الصدمة الثقافية التي يتعرض لها الشخص الأجنبي الذي يزور دولة عربية، ويُدهش عندما يشاهد المسلم يذهب للسينما، أو يستمع للموسيقى، أو لا يجيد ركوب الخيل، أو لم يسبق له العيش في خيمة. تمامًا مثلما تشكل لدينا تصور عن المجتمع الهندي الذي نظن أنه يلجأ للرقص كوصفة سحرية لكل الأوقات والأحداث. 

ومع انتشار ثورة الاتصالات والمعرفة، ازدادت قدرة الشعوب على الوصول للأعمال الدرامية للشعوب الأخرى، وهذا يعني أن الأعمال الدرامية ليست مخصصة بالضرورة للعرض أو للمشاهدة من قبل الفئات التي يمثلها ذلك العمل، بل إنها في بعض الأحيان تحظى بمشاهدة خارجية أكبر مما يقوم الشعب المحلي بمشاهدة أعماله، مثلما يحدث في حالة المسلسلات التركية تحظى بمشاهدة العرب، أو في حالة المسلسلات الكورية التي تشكل صيحة في المجتمع التركي أكثر من ذياع صيتها في السوق الدرامي الكوري نفسه، وهنا تنتقل الدراما من كونها طرح مجتمعي محلي إلى مشروع استثمار خارجي قد يسعي للترويج، أو جذب السياح، أو تلميع جهات، أو حقب زمنية. قد يكون من الساذج أن ننكر قدرة الدراما على وصل أطراف هذا الكون ببعضها البعض، لكن من المنطقي التساؤل فيما إذا كان هذا الوصل ناتج عن إلغاء الحدود أو استحداث المزيد منها. 

ومن المثير للاهتمام، أن البعض قد يجادل أن الدراما يجب أن تكون في ذاتها غير واقعية انطلاقًا من كون الدراما، وسيلة المشاهد للهرب من الواقع الذي يعايشه ووسيلة لإرضاء مشاعره المختلفة التي لا يتسنى له تجربتها في الواقع، ساعيًا لرؤية الصورة المثالية التي كان بوده أن يكون الواقع عليها. وبالتالي نجهل فيما إذا كانت قدرة المخرج أو كاتب السيناريو تتمثل في الالتزام بالواقع أم الخروج عنه. 

ويُبرز هذا أهمية دور المشاهد في اتخاذ القرار الذي يجدر به عدم التسليم بتصديق ما يتم عرضه فيما يخصه أو يخص غيره، بل من المفترض أن يمتلك القدره على النقد واتخاذ الموقف بدعم أو مقاطعة إنتاج درامي ما، متخليًا عن المشاهدة بغرض المشاهدة فقط أو ظانًا بأنه موقفه لن يؤثر. ختامًا: فإن الحال الذي وصلت إليه السوق الدرامية تجعلنا نتساءل عن الطريقة التي يجب علينا النظر فيها إلى الدراما بكونها منتجًا اجتماعيًا يشكل مرآة للواقع المُعاش أو تجارة ربحية تلبي العرض والطلب، أو أنّ كليهما مرحلتين من مراحل تطور الدراما، أو حتى تقبل ذلك على كونه محاولة تشكيل هيكل يشمل أنواع أو أنماط الدراما التي قد تختلف في رغبتها في وصف الماضي، أو نقل الحاضر، أو التنبؤ بالمستقبل، قد لا يكون هذا المقال قد شكل إجابة واحدة مقنعة مؤكدة بقدر ما أوجده من خلفية رمادية لما يحصل، لكن ما يؤكده هو أن الدراما كانت وما زالت أداة هامة ومؤثرة ينبغي استغلالها من أجل إظهار الحقائق لا تزييفها وتمثيل مضامين الشعوب لا اختلاقها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد