مثل أشياء كثيرة، وأشخاص وأفكار أكثر، لم أقدرها وأقدرهم في الوقت والزمان الصحيحين، يأتى الكاتب والمفكر والمبدع الراحل أسامة أنور عكاشة على رأس القائمة، ومع أننى كنت من المتابعين الشغوفين لكل عمل جديد له، إلا أننى لم أتوقف بالتحليل والدرس لأى من تلك الأعمال، ربما بسبب صغر السن، أو التجربة، أو أي شيء آخر، وفجأة وبدون مقومات وجدت نفسي أستعيد شخصيات ظهرت في أعمال عكاشة، وتلح على أن أكتب عنها، وهكذا كان، فهذه بعض نماذج من شخصيات درامية كانت ولازالت لها تأثير … على الأقل من ناحية شخصية بحتة!

– 1 –

وقع ضابط الشرطة في حب طبيبة الوحدة الصحية المنقولة حديثًا الدكتورة أميمة، وبدافع هذا الحب يقف معها ويساندها في مواجهة نفوذ الشيخ محفوظ مأذون القرية الذي يبارك زواج الفتيات الصغيرات ويتربح من ورائهن عن طريق ما كان يعرف بشهادة التسنين.

وفي نهاية الأحداث ترفض الطبيبة مبادلة ذلك الضابط حبه، مفضلة عليه شيخ الجامع هاشم، ونتيجة لذلك الإحباط العاطفى يقرر الاستقالة من وظيفته التي قبلها مجبورًا بضغط من والده الضابط السابق، ويقرر التفرغ لكتابة الشعر، وهو هوايته، ويصدر ديوانه الأول.

بالنسبة لطفل صغير – الذي كنته وقتها – فإن ذلك الموقف بدا مستغربًا للغاية، بل وقد يكون غير مصدق بالمرة، فمن هو ذاك المجنون الذى يخلع بدلة الضابط بكل ما تحمله وما تعنيه من سلطة بلاحدود، ووجاهة اجتماعية لا مثيل لها كي يتفرغ لكتابة الشعر … الذى هو – في رأي ذلك الطفل – لا شيء!

– 2 –

من بين كل شخصيات مسلسل – أو ملحمة – ليالى الحلمية تبقى شخصية ناجي السماحي هي الأكثر اتزانًا ومباشرة ووضوحًا، عقليًا ونفسيًا وروحيًا، بالرغم من كل الصدمات التي واجهها في حياته وشدتها وقسوتها، ابتداءً من فقده لأبيه وحتى انتهاء حياته هو شخصيًا بالاغتيال.

وعلى العكس من شخصية على البدري المضطربة، أو حتى شخصية عادل البدري المهزوزة، فإن شخصيته كانت تتمتع بثبات غريب ليس له ما يبرره سوى أن الچينات الوارثية لها الحكم النهائي على تصرفات البشر، فالأب طه السماحي كان شخصية استثنائية في الحلقات الأولى من المسلسل، وهو المناضل الذى يحارب الإنجليز بيقين أنهم سبب كل البلايا، على العكس من صديقه مصطفى رفعت الذي كان نصف مقتنع بأهمية ما يفعلونه في الكنال، وهو العاشق الذي لا يهمه نفوذ الباشا والد محبوبته، ويفعل كل شيء للحصول عليها دون الالتفات للمحاذير والمخاطر.

وربما إن أحدًا لا يستطيع تقدير مدى ألمه وجرحه وهو يرى اسم والده البطل الشهيد يرفع ليضعوا مكانه اسما آخر يلائم تطورات مرحلة السلام، فالشهداء لا مكان لهم في عالمنا، ولكنه في ثبات وقوة يتخطى ذلك؛ لأن ذكرى الشهيد لا تؤكدها لافتة في شارع، بل تبقى حية في ذاكرة البشر طالما عاشوا حياتهم بنفس المبادئ ولأجل نفس الأهداف.

ناجى السماحي كان محاربًا،لم يفقد الشجاعة في خوض المعارك أبدًا، مؤمنًا بالقانون والعدل والحق، لكنه – كأبيه الشهيد – كان عليه أن يدفع الثمن من دمه وحياته…حلم آخر ضائع!

– 3 –

لم تكن زينب جعفر” تملك الكثير من الاختيارات، فهى ليست سوى امرأة مصرية تقليدية، وجدت نفسها – فجأة – وحيدة بعد موت رجلها، وفي رقبتها أربعة أطفال.

كان اختيارها أن تنشئهم وتربيهم بأمل مؤجل أن يستطيع أحدهم يومًا ما الأخذ بثأر الأب الذي مات حسرة وغيلة مما فعله به أخوه الأكبر.

بنت مصرية عادية جدًا، وجدت نفسها في قلب الصراع الدامي بين الأخوين: أولاد الحاج رضوان، فلما مات شوقي زوجها؛ أصبح حافظ عدوها.

القصة في مجملها إعادة لأول دراما في تاريخ البشرية، حين تصارع الإخوة على المرأة؛ ففاز أحدهم وخسر الآخر، وحينها قرر الخاسر الانتقام، مع اختلاف بسيط، هو أن المال كان مجال الصراع هذه المرة.

وإذا كان شوقي قد خسر الصراع، فإن زينب بقوة إرادة حديدية، ورغبة لا تهدأ، وغل تزيده الأيام ولا تنقصه تصمم على الثأر، لم تكن لديها خطة محكمة أو مكتملة، فهي تؤمن بسياسة الخطوة خطوة، وهكذا أصبح أطفالها الأربعة استثمار عمرها، ربتهم بعزيمة وصلابة تستحق التقدير، ولكنها في نفس الوقت زرعت في نفوسهم الكراهية والغضب تجاه عمهم الذي كان السبب في فقرهم وعوزهم.

الكراهية تشبه المقامرة، فإما تفوز بكل شيء أو تخسر رهاناتك، ولذلك فإن ماصنعته زينب جعفر راح – في دقائق معدودة -هدرًا أمام قوة الحب الطاغية، وكذلك بسبب متغيرات الزمن وعوامله، وفي النهاية نجدها خسرت كل ماخططت له أو حاربت من أجله، فهي لم تحصل على المال، لكن حقها – أو ما تظن أنه حقها – عاد إليها بطريقة معنوية أكبر وأعظم من أية أموال حين أصبحت الملاذ والملجأ ليس لأبنائها فقط، بل لأبناء حافظ ودولت: أعدى أعدائها!

– 4 –

انتظر هشام أنيس طويلًا حتى وجد قضية عمره التي تحقق له ذاته وتخلق له كيانه. هو – في الأساس – لم يكن خاملًا أو ساكنًا مستكينًا، بل كان – بحكم طبيعة الفنان – مشتبكًا مع الواقع، ولكنه كان اشتباكًا ظاهريًا لا جوهر فيه ولا معنى، ولا حتى إصرارًا على النجاح فيه.

إن ڤيلا الدكتور مفيد أبو الغار لم تكن بالنسبة له مجرد مبنى أثرى أو تحفة معمارية يجب مساعدة صاحبها ومساندته للحفاظ عليها من طغيان سيدة جاهلة تظن أن كل شيء قابل للشراء طالما عرضت السعر المناسب،أو حتى غير المناسب، فهذه الڤيلا كانت رمزًا لكل أحلامه الفنية المعقولة منها وغير المعقولة.

وفى سياق حلم الفن يقابل حلم / امرأة حياته، تلك الشابة أمل ذات الشخصية القوية والصلبة، التي لا تقبل الانهيار أو الانزواء لمجرد أنها مطلقة أو صاحبة تجربة فاشلة.

هنا – وبالرغم من المشاعر المتوافقة والعواطف المتجانسة – يحدث صدام متوقع بين طبيعة الفنان الحالم طول الوقت، وبين طموح الفتاة في تحقيق وإثبات ذاتها في المجال الذي اختارته: الصحافة، وهو صدام يمكن تفاديه أو على الأقل تأجيله؛ لأن المعركة مع فاطمة المعداوي وعصابتها تحتاج إلى خطط مشتركة، وقدرة على التنفيذ بين فريق متجانس فكريًا وعاطفيًا ونفسيًا، مستعد أن ينسى – ولابد أن ينسى – رغباته وطموحاته الشخصية لأجل قضية – يراها من منظوره – أهم وأسمى.

الحب وحده لا يستطيع أن يكون سببًا في إدراك النجاح أو التفوق، بل يحتاج لعوامل مساعدة تجعل منه قنبلة نووية تمحو كل أثر أو ظل للكاره والحاقد والمتآمر والخسيس.

النية السليمة أو الطيبة لا تخلق تجانسًا متكاملًا،أو قوة يحسب لها حساب، وإذا لم تكن قادرة على فرض نفسها بصلابة فإنها تصبح مشكلة لصاحبها نفسه، وعبئًا عليه وتهزمه بسهولة.

إن هزيمة الدكتور أبو الغار التي أجبرته على رفع الراية البيضاء تبدو منطقية وطبيعية لأي متابع لحلقات الصراع مع الغوغائية والسوقية، وهو ما أدركه بفطنته وخبرته، ولم يتردد لحظة في الاعتراف بذلك.

وأما هشام وأمل فإنه كان لزامًا عليهما أن يحاولًا كثيرًا وطويلًا لإنقاذ حبهما، بالرغم من أنهما خسرا القضية التي جمعتهما!

– 5 –

كثيرون يعرفون من هو شوقي لطفي، ولكنهم ينسونه أو يتناسونه، قابلوه وتعاملوا معه في مواقف عديدة، فهو موجود إذًا تحت الطلب في أي وقت وأي مكان، هو باختصار ما يطلق عليه صبي.. صبي كل مهنة وحرفة، وهو أيضًا بلية اسمًا ومعنى: كاسم هو شيء لايرى بالعين المجردة، ومعنى لأن الحياة تلعب به وتسلي نفسها، ولو خصصوا جائزة للبؤس لكان أول الفائزين بها بلا منازع.

لكن بؤس حياته لايمنعه – أحيانًا! – من الشعور بالفرح والسعادة، فرحة في عين أحد إخوته حقق له أمنية ما، وسعادة أخت صغيرة حلمت يومًا بفستان جديد أو عروسة بلاستيك.

وأيضًا بالرغم من ذلك البؤس فإنه يحلم أن يكون أسطى كبيرًا تمامًا كالأسطى عمارة، أو أن يصبح حسن أرابيسك الثاني.

لكنه لا يعلم أن مشهد مماته – مثل مشهد حياته – سيكون عبثيًا وبلا معنى، حين يتصادف مروره مع موعد انفجار قنبلة زرعها إرهابيون، والأكثر إيلامًا أن لا أحد سيتذكره إلا أب شبه أعمى لا يكف عن ترديد جملته الخالدة: نور الكريم على الطريق آية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد