تتحدد قوة الدول بما تمتلك من موارد وآليات، تستطيع من خلالها ضمان سيادتها واستقلاليتها وتحقيق مصالحها القومية الأساسية، وإذا كان عصرنا يشهد نزوعًا متسارعًا نحو الترابط والاندماج بين المجالات العالمية؛ فإنه صار محتمًا على وحداته السياسية التنافس والتدافع كمحدد للعلاقات البينية، ولما كان ذلك منطقًا يفرض نفسه بين أمم متباينة الخصائص العرقية والسياسية والاقتصادية، صار التوسع الخارجي ضرورة وآلية استراتيجية لا محيد عنها لتحقيق الأهداف، وضمان المصالح القومية بجميع الوسائل المتاحة.

ولأن ضمان المصالح هو العنصر الأساسي في السلوكيات السياسية للدول، أضحى البحث عن الوسائل الأقل كلفة والأكثر مردودية ضرورة لا بد منها لتحقق النتائج المرجوة، وهو ما ساهم في ترجيح أدوات جديدة في العلاقات الدولية، وأهمها استثمار القوة الناعمة من خلال توظيف عناصر جاذبية الدولة، كثقافتها المحلية، وخصوصيتها الحضارية، والعمل على توظيفها لدفع الطرف المستهدف على تنفيذ المطالب، وتسخيره لتحقيق الأهداف المرجوة طوعًا.

صاغ الدكتور جوزيف سي ناي مصطلح القوة الناعمة محددًا جديدًا في العلاقات الدولية، عرفه بالقدرة على الحصول على ما تريد بالجاذبية دون الإرغام أو دفع الأموال، قصد زيادة النفوذ وتطويع الشعوب الأخرى بالوسائل الثقافية والإعلامية، حيث ذكر أن جدار برلين قد اخترق فعليًا بالأفلام التلفزيونية قبل سقوطه الحقيقي سنة 1989، وأن الانتصار الفعلي للولايات المتحدة على المعسكر الاشتراكي جاء بفعل قوتها الثقافية.

أهمية الدراما في السياسة الخارجية التركية

منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم بتركيا سنة 2002، شهدت السياسة الخارجية لهذا البلد تطورات عميقة في خطوطها العامة، استجابة للتحولات العميقة التي شهدها العالم منذ نهاية الثمانينات؛ حيث وضع مهندسو السياسة الخارجية خططًا استراتيجية تقوم على الانتقال من الأطراف نحو المركز عبر تجاوز الدور الهامشي الذي ارتبط بها خلال حقبة الحرب الباردة، كرأس حربة موجه نحو الاتحاد السوفيتي والتحول بدلًا عن ذلك إلى قوة إقليمية مؤثرة بتغيير معادلات العلاقات الدولية لصالحها.

وبالنظر إلى الأهمية التاريخية والاستراتيجية والاقتصادية للعالم العربي، باعتباره حديقة خلفية أو عمق استراتيجي، وضع صناع القرار التركي التوسع في المنطقة على رأس قائمة الأولويات، ولتحقيق هذه المطامح كان من الضروري إعادة التطبيع الثقافي والحضاري مع محيطها العربي، وتغيير ذلك الانطباع السائد عن تركيا، ذلك البلد المرتبط بعلاقات حميمية مع الكيان الصهيوني، والموغل في الاغتراب عن إطاره الحضاري والموسوم بالتشدد في علمانية الدولة والمجتمع.

فكان من الضروري توظيف موارد القوة الناعمة، كالإعلام والسينما والثقافة، من أجل خطب ود شعوب المنطقة العربية، والتصالح معها على أساس وجود روابط تاريخية ودينية، وتشابه العادات والتقاليد، مع استحضار التاريخ العثماني لإثارة العواطف والمشاعر الدينية، فشكلت الدراما إحدى آليات التغلغل الناعم، التي اعتمد عليها لتسويق صورة خارجية نموذجية عن تركيا، واختراق العالم العربي من خلال إعادة ربط العلاقات معه، ودفع شعوب المنطقة للتطبيع مع ذلك والتعاطف مع قضاياها، وخلق حالة من الانبهار والإعجاب بنموذجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ولأن قوة الدراما تكمن في جاذبية محتوياتها، من جمالية الصورة، وجودة تقنيات التصوير والعرض، فضلًا عن دقة الحبكة الدرامية في تسلسل الأحداث وتشويقها، فقد تحولت إلى مصدر مهم للتأثير على أذهان المتلقين، وتغيير قناعاتهم، ولذلك استثمرت تركيا في هذه الصناعة الثقافية لترويج نموذجها الحضاري القائم على الإسلام المدني؛ أي التشبث بالمبادئ الإسلامية، واحترام الديمقراطية التعددية، مع الالتزام بالقيم العلمانية واحترام الحريات الفردية، وفرض نفسها كأيقونة للتعايش بين الشرق والغرب.

ومن خلالها تم الترويج للقيم المميزة للنموذج التركي العلماني في طابعها المعاش؛ إذ تختلط السلوكيات الدينية المحافظة من أداء الصلاة والدعاء الممزوج بالدموع والحجاب، بالممارسات المتحررة كالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج واحتساء الخمور وغيرها، والتي استأنس بها المشاهد العربي بفعل تعوده على ذلك في جل الأعمال الفنية المعروضة ذات الطابع الاجتماعي.

ومن جهة أخرى تتميز الانتاجات الدرامية التركية ذات الطابع التاريخي بتضخيم الأمجاد العثمانية، والتغني بانتصاراتها، خاصة حقب ازدهارها، ويظهر ذلك جليًا في مسلسل قيامة أرطغرل الذي يشكل أضخم عمل درامي في تاريخ تركيا، إذ تتجلى فيه بوضوح النزعة القومية المغلفة بالمشاعر الدينية، مع التركيز على سمو العرق التركي وتهميش باقي الأعراق وتجاوز كل إنجازاتها التاريخية والحضارية، ولذلك فمن النادر أن يتم إنتاج أعمال فنية تتطرق إلى مراحل أخرى من تاريخ الإسلام.

وبالتالي تكشف هذه النزعة المبنية على اختزال التاريخ الإسلامي في المرحلة العثمانية عن تقاطعات سياسية صرفة، باتت الدوائر السيادية تكشف عنه جليًا من خلال علاقاتها الخارجية مع دول الجوار، ومواقفها تجاه قضاياها وملفاتها، وفرض مكانتها كزعيمة للعالم الإسلامي السني، وهو ما يفسر الاحتفاء الدائم لأردوغان بنجوم الدراما التركية، والعلاقات الحميمية التي تجمعه معهم، والتي وصلت حد إقدامه على طلب يد إحدى عارضات الأزياء لممثل تركي شهير.

مكاسب الدراما التركية الاستراتيجية

بالنظر إلى ضعف الصناعات الدرامية العربية، وعدم تطوير إنتاجها، وعجزها عن مجاراة إيقاع التنافس، وجدت الدراما التركية ميدانًا خصبًا وسوقًا استهلاكية نهمة، واستطاعت بفعل امتلاكها ميزات تنافسية الهيمنة على مجال الترفيه والاستئثار بالجدولة الزمنية للقنوات التلفزيونية العربية بمئات الساعات سنويًا من المواد الترفيهية التركية، خاصة في أوقات الذروة، منافسة بذلك الدراما اللاتينية التي هيمنت في وقت قريب على الميدان الترفيهي التلفزيوني.

وهو ما مكن من تحقيق مكاسب استراتيجية مهمة؛ فعلى المستوى الاقتصادي أسهم انتشار المسلسلات عبر العالم العربي وغيرها في ضخ ما يقارب 350 مليون دولار سنويًا عبر تسويقها تلفزيونيًا، وشهدت صادراتها من الإكسسوارات والحلي والديكور والنسيج التركي المتميزة بالألبسة الفضفاضة المحتشمة ذات الألوان المزركشة انتعاشًا واضحًا، خاصة أن هذه الأخيرة تحولت إلى علامة مهمة في الموضة الإسلامية في الآونة الأخيرة.

كما عرف القطاع السياحي تطورًا مهمًا؛ حيث أضحت وجهة سياحية متميزة من خلال تدفق الملايين من السياح الأجانب، بما فيهم العرب بفضل الدعاية والتسويق المتقن لمعالمها التاريخية، ومناظرها الطبيعية، وخصوصيتها الحضارية والثقافية، عبر المشاهد المعروضة بين الفينة والأخرى؛ وبالتالي ضخ مبالغ مهمة طائلة من العملة الصعبة في القطاع المالي، وتنشيط قطاعات اقتصادية أخرى، من نقل ومطاعم وفنادق وخلق المزيد من فرص العمل والاستثمارات الجديدة.

وفي المحصلة أضحت تركيا بفعل ديناميكية ديبلوماسيتها، وقدرتها على المناورة السياسية، وحسن استثمارها للموارد الناعمة من تقديم معونات اقتصادية، وتمويل المشاريع الخيرية، وصناعتها الثقافية، خاصة الدراما، وإجادتها اثارة المشاعر الدينية الإسلامية، إلى قوة وازنة ومؤثرة تحظى بجماهيرية واسعة في منطقة تشكل عمقها الاستراتيجي، وأرضية لضمان مصالحها الحيوية، وهو ما يحيلنا لإعادة النظر في طبيعة هذه العلاقة المتسمة بعدم التكافؤ، من حيث توزيع المكاسب والمنافع الاقتصادية، خاصة مع تسجيل الميزان التجاري للدول العربية عجزًا على مستوى القيمة بالنظر إلى ارتفاع حجم وارداتها من السلع والخدمات التركية، فضلًا عن خطورة هذه الدراما على النسيج الثقافي للعالم العربي، مع ترويجه لسلوكيات معارضة للقيم والأعراف الاجتماعية السائدة.

ومن جهة أخرى، بدأت تتضح المواقف الانتهازية التركية في توظيف قضايا المنطقة ومشاكلها إلى آليات ابتزاز للغرب وضمان مصالحها القومية، خاصة تورطها السافر في القضايا الداخلية للدول العربية، مما يفرض العمل لإيجاد السبل الكفيلة دون تحول المنطقة العربية إلى ميدان لاستعراض القوة وتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية، ما سيعني إطالة أمد الانقسامات والأزمات السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

– الدراما التركية القوة الناعمة التي تدخل بيوت كل العرب مجدي سمير مدونات رصيف 22
– جوزيف س ناي القوة الناعمة وسيلة في السياسة الدولية
– جريدة العرب08/06/2016 السنة 39 العدد 10300
– العمق الاستراتيجي موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية احمد داود اوغلو
عرض التعليقات
تحميل المزيد