من الأمثلة التي تقال حينما يكون للأمر إيجابيته وسلبياته إنه سلاح ذو حدين، فقد يكون الشيء له القدرة على فعل الضدين: الخير والشر، وقد يهجر الناس الأمر الذي يفعل الشر غير مدركين قدرته على فعل الخير، غير عالمين بأنه سيف من الممكن أن يستخدمه أهل الحق لنصرة قضاياهم.

لو جاء رجلان من الأزمنة التي سبقت، ورأى الأول تلفزيون به راقصة ترقص، أو فيديو كليب من النوعية التي تنتج حاليًا، أو فيلم من أفلام السبكي، لقال إن هذه الآلة محرمة، ولظن أن كل من عنده هذه الآلة هو ممن يتابع مثل هذه الأشياء وهو من العصاة، في حين أنه لو خرج الرجل الثاني في قوم غيرهم، ورأى القرآن يتلى عليه، لقال عنه خير ما يقال، وتوسم في كل من عنده تلفزيون الخير، نفس الآلة مع اختلاف الاستخدام، هذا ما يغير من طبيعة الجهاز.

استخدامها في الشر أو في ضرر الغير أو المجتمع لا يدل على ضررها هي، وإنما الخطأ هو في من استخدمها بتلك الطريقة، وإلا لتوقفنا عن استعمال السكاكين لاستخدامها في القتل، لكن المصيبة الأكبر هي حينما نتوقف عن استعمال أشياء أكثر أهمية بكثير، والتي لها دورها في التأثير على البشر، كالدراما والروايات وغيرها مما يجتذب اهتمام الجماهير والعامة.
من مبادئ التسويق البحث عن الجمهور، والذهاب إلى المكان الذي يتواجد هو فيه، إذا كان مشروع معين يعلم أن جمهوره متواجد على موقع فيسبوك مثلًا، فيجب على القائمين عليه التأثير في هذا الجمهور من خلاله، فما بالك بأهداف أكبر كالتأثير في الجماهير!

في الوقت الذي نجد فيه جموع العرب يشاهدون المسلسلات ويقرؤون الروايات لا يجوز أن نغفل نحن عن الدخول لهم من هذه الأبواب؛ لأن عدم دخولنا منها يمنعنا من الوصول إليهم، أو على أقل تقدير يصعب منه، ولا يكون ذلك بالطبع بمخالفة الشرع، وإنما بوسيلة سليمة لأهداف سامية.

من أكثر الأشياء التي اشتهرت بها أمريكا هي هوليوود، فالأماكن التي لا يوجد فيها جندي أمريكي يوجد فيها فيلم أمريكي، استطاعت أن تغزو العالم من خلال هوليوود، فبدلًا من أن تضع حراسًا لسلطتها في كل دولة -يكون هؤلاء الحراس من أبنائها- قررت أن تعمل على جعل أبناء كل مكان هم من داعمي سلطتها، بالطبع لا يكونوا كأبنائها لكنها على الأقل ضمنت قدرًا من الولاء، أو الاحترام، أو الإعجاب.

و لم تكن أفلام هوليوود فقط هي التي غزت دولنا العربية، وإنما كان للمسلسلات الهندية والتركية والكورية مشاركة كبيرة، وكانت هذه الأعمال تجلب متابعة جيدة، لو لم يكن كذلك لما استمرت القنوات الفضائية في التسابق عليها، وهذه الأعمال الأجنبية عن ثقافتنا تعمل على طمس الهوية، ودفع الشباب إلى التمرد.

و مع عيوب الدراما التركية التي ذكرناها، نجد أنها في الآونة الأخيرة بدأت في مجال التأثير الإيجابي من خلال بعض الأعمال، وبث الأفكار المؤيدة للدولة التركية، بالإضافة إلى الأفكار التي تريد نشرها، وكان وادي الذئاب أحد تلك الأعمال التي أصبح بطلها محمد نجاتي «مراد علمدار» من أشهر الفنانين الأتراك في الأوساط العربية، ويتكلم العمل عن المخابرات التركية وما تواجهه، ومؤخرًا ظهر قيامة أرطغرل، والذي يحكي قصة البطل التركماني المسلم أرطغرل ابن سليمان شاه «وأرطغرل هو والد السلطان عثمان مؤسس الدولة العثمانية»، ولم تكن هذه الأعمال سهلة أو ضعيفة فنيًّا، وإلا لما جذبت كل تلك المشاهدات والاهتمام بها.

ومع وجود دراما وروايات عربية إلا أن دورها سلبي تمامًا، فلا هو يحافظ على عادات، ولا هو يقدم جديدًا في مستوى الأخلاق والصفات الجيدة، وبالنسبة للتيار الإسلامي فهو لم يدخل إلا في إطار ضيق جدًّا، فالأعمال تحتاج إلى كلفة مادية كبيرة، وخبرات لن تأتي إلا من خلال الممارسة والعمل.

الانتصار لا يكون إلا من خلال جذب المؤيدين والمناصرين لك، ويجب أن نبذل كل غالٍ وثمين من أجل أن تصل رسالتنا للعالم، ولن تصل تلك الرسالة بالطريقة التي نريدها نحن، بل ستصل فيما يقضي الناس في متابعته الأيام والليالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد